زين العابدين صالح عبد الرحمنأن تأسيس جهاز الأمن في عهد نظام مايو في بداية عقد السبعينيات، يعتبر أول مؤسسة أمنية تراقب العملية السياسية في تاريخ السودان، حيث أصبح هدفها الأساسي هو حماية النظام السياسي القائم و مراقبة السياسيين، و أصبح النقد أو تقديم الرأي المخالف لرأى نظام الحكم يعد جريمة يعاقب عليها القانون، و مدة الإعتقال يحددها الجهاز و ليس المحكمة.
كانت فكرة الجهاز أخذت من النظم الاشتراكية ف شرق أوروبا التي كانت تحت الحلق للاتحاد السوفيتي السابق، لذلك أو بعثة لعناصر الجهاز الجديد كانت لدولة المانيا الاشتراكية.
حيث بدأ السودان تاريخ جديدة في الصراع السياسي.
أن العملية السياسية التي بدأت عهدا جديدا مع جهاز أمني الذي كانت تستخدمه السلطة الحاكمة ضد خصومها، أثر على النمو الطبيعي للعملية.
أن تأسيس جهاز الأمن أصبح بداية التضييق الكامل ليس على العمل السياسي و أيضا النقابي و مراقبة كل النشاطات الأخرى التي يعتقد أنها سوف تؤثر على النظام الحاكم، و حتى الشعر و الدراما خضعت للتحليل في جهاز الأمن.
هذه التحولات الجديدة كان لابد أن تؤثر سلبيا على العملية السياسية في البلاد.
و أثر بالضرورة على العمل الإعلامي و مراقبة المادة الإعلامية.
حيث أضحت الإجهزة الإعلامية محكومة بساسة النظام الحاكم، و أصبح دورها محدودا في عملية إنتاج الوعي في المجتمع، فكانت الأجهزة الإعلامية تقع تحت رقابة ثلاثية من قبل رئيس الجمهورية و المؤسسة السياسية في الدولة ” الاتحاد الاشتراكي” و أيضا من قبل جهاز الأمن الوطني، هذه الرقابة الثلاثية كانت تضيق مساحات الرأي.
و كانت بالضرورة تؤثر سلبا على عملية تحديث و تطوير المؤسسات الحزبية في البلاد.
النظام لم يكتف برقابة أجهزة الإعلام، بل شرع في تغيير قانون العمل النقابي، باعتبار أن النقابات تعتبر واحدة من أدوات التغيير في المجتمع، لذلك تم إصدار قانون العمل النقابي لعام 1970م عندما كان فاروق أبو عيسى وزيرا للعمل، حيث أتبع القانون النقابات للتنظيم السياسي ” الاتحاد الاشتراكي” و بذالك أعتبرت قيادة نظام مايو قد أغلقت كل المنافذ التي تأتي منها الرياح التغيير، و التي كان يمكن أن تسبب مضايقة للنظام.
أن انتفاضة إبريل التي نظمها ” التجمع النقابي” كان الاعتقاد أن الانتفاضة سوف تفتح كل المنافذ لكي تدخل منها رياح التغيير، و خاصة للأجهزة الإعلامية.
لكن الذي حدث كان عكس التوقعات.
إن قانون الهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون لسنة 1986م، و الذي تمت إجازته في أخر اجتماع بين المجلس العسكري و الوزراء، و الذي أتبع الهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون لمجلس السيادة حتى يكون لها استقلالية من السلطة التنفيذية، و تمنح الإجهزة الإعلامية الحرية التي تجعلها تلعب دورا مهما في عملية الوعي السياسي التي يجب انت تتناسب مع عملية التحول الديمقراطي.
نجد أن حكومة الفترة الانتقالية هي التي عطلت القانون.
أن وزير الإعلام في أول حكومة ديمقراطية بعد انتخابات 1986م محمد توفيق أحمد قدم استقالته للسيد الصادق، عندما تبين له أن الهيئة القومية للإذاعة و التلفزيون غير تابعة له.
و لكن رفضت الاستقالة، و طلب رئيس الوزراء الصادق المهدي من مجلس السيادة أن يتنازل عن أشرافه على الهيئة وفقا للقانون إلي وزير الإعلام، و بموجب خطاب من مجلس السيادة موقع باسم السيد أدريس البنا عضو مجلس السيادة، جعل الإشراف للوزير، هذه كانت أول ضربة تقدم من رئيس الوزراء لحرية الإعلام، و الغريب أيضا أن التنازل أعطي وزير الإعلام التوم محمد التوم فكرة أن يؤسس هيئة تحرير للأخبار في الوزارة برئاسة الأستاذة سعدية عبد الرحيم الخليفة، كان الهدف أن تراجع كل الأخبار التي ترسلها و كالة السودان للأنباء و أيضا كل القرارات التي تصدر من الوزارات، و أيضا من الصحافة، و تصبح أخبار هيئة التحرير وحدها المسموح بإذاعتها في الإذاعة و التلفزيون.
و كانت أول ضربة حقيقة للوعي السياسي و محاصرة أجهزة الإعلام في نظام ديمقراطي.
بعد الانتفاضة إبريل 1985م، كانت هناك هجمة كبيرة من قبل قوى اليسار على جهاز الأمن، و المطالبة بحل الجهاز.
و ذلك يرجع للصراع الذي حدث داخل تحالف السلطة التي كانت تتكون من شيوعيين و قوميين و قيادات عسكرية، حيث حدث انقلاب 19 يوليو 1971، و اعدمت بعدها قيادات في الحزب الشيوعي، و انشق الحزب الشيوعي نشقاقا طوليا، و أصبحت المجموعة المؤيد للانقلاب مطاردة من قبل جهاز الأمن، حيث نزلت بالعمل تحت الأرض، و ظلت المجموعة الأخرى المؤيدة للنميري متعلقة بهداب الاتحاد الاشتراكي، و لكن بدأ يتخلص منهم واحدا تلو الأخر، أما القيادات السياسية المحسوبة على القوميين العرب ذهبت مع النظام، و فضلت طريق البقاء في الاتحاد الاشتراكي.
إذا رجعنا إلي فترة السبعينات، نجد إن المعارضة بكل انواعها استطاعوا أن يقوموا بعدد من المحاولات لانقلابية على النظام، و لكنها جميعا قد فشلت.
هذا الفشل أثر في الأداء السياسي لكل الأحزاب السياسية في البلاد، ما عدا الحركة الإسلامية التي استطاعت أن تتمدد في القطاع الشعبي و النقابات.
حتى الفعاليات الطلابية داخل الجامعات و المعاهد التعليمية أنكمش فيها العمل السياسي تماما، و كما ذكرت كان قد ظهر مؤتمر الطلاب المستقلين الرافض للعملية السياسية، و الداعي إلي الاهتمام بالخدمات داخل الجامعات، و تكوين الجمعيات الأدبية و المناطقية بديلا للنشاط السياسي في الأركان.
إن محاصرة العمل السياسي و مطاردة قيادات الأحزاب، و عدم السماح بنشاط سياسي خارج مؤسسات الاتحاد الاشتراكي، لعب دورا كبيرا في أضعاف الوعي السياسي في البلاد، و أيضا في أضعاف الكوادر السياسي التي تولت العمليات السياسية ما بعد حقبة نظام مايو.
الغريب في الأمر: أن الشارع كان أكثر وعيا من المؤسسات الحزبية، لذلك استطاع أن يتجاوب مع ” التجمع النقابي” و يقود انتفاضة إبرايل 1985م، حيث أن الحراك لأول مرة لم يخرج من الجامعات أنما خرج من الشارع، الأمر الذي يؤكد أن حركة الوعي السياسي في المجتمع كانت أكبر من الحركة التي كانت في الجامعات و ايضا في الأحزاب السياسية، و قد تكررت مرة أخرى في ثورة ديسبر 2018م.
نواصل.
نسأل الله حسن البصيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك