ليست صورة الشيخ أحمد حسّون في قاعة محكمة الجنايات في دمشق، الخميس الماضي (25/6/2026)، مجرّد مشهد قضائي عابر.
فللمرّة الأولى منذ تأسيس منصب المفتي العام للجمهورية السورية، يجلس من شغل هذا الموقع أمام قاضٍ جنائي، لا ليُسأل عن فتوى أصدرها أو اجتهاد فقهي تبنّاه، بل عن الدور الذي أداه في واحدة من أكثر مراحل سورية دموية.
في قضية أحمد حسّون، لا يمثل عالم دين أمام القضاء فحسب، بل يُختبر أيضاً الدور الذي أدّته المؤسسة الدينية الرسمية في إضفاء الشرعية على السلطة خلال سنوات الحرب.
في تلك اللحظة، لم يكن هذا الرجل يمثل نفسه وحده.
كان يمثل سؤالاً ظل مؤجلاً طوال سنوات النزاع: أين تنتهي وظيفة رجل الدين الرسمي، وأين تبدأ مسؤوليته القانونية عندما يصبح جزءاً من خطاب السلطة في زمن الحرب؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي تمنح محاكمة أحمد بدر الدين حسّون فرادتها.
فالمتهم ليس قائداً عسكرياً أصدر أوامر بالقتال، ولا مسؤولاً أمنياً ارتبط اسمه بمراكز الاحتجاز، ولا وزيراً وقّع قرارات تنفيذية.
إنه رجل لم تكن أداته البندقية، بل المنبر.
غير أن السلطة لا تُبنى بالقوة وحدها، كما أن الحروب لا تُدار بالسلاح وحده.
فكل نظام يواجه أزمة وجود يبحث، في الوقت نفسه، عمّن يحميه، وعمّن يدير مؤسّساته، وعمن يمنح أفعاله شرعية أخلاقية أو قانونية أو دينية.
ومن هذه الزاوية، يصعب فهم موقع أحمد حسّون بمعزل عن طبيعة المنصب الذي شغله، فمنذ تعيينه مفتياً عاماً للجمهورية عام 2005، لم يكن مجرّد فقيه يؤدّي وظيفة دينية، بل أصبح جزءاً من المؤسّسة الرسمية للدولة.
ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011، لم يختر موقع الوسيط أو الداعي إلى التهدئة، وإنما انخرط بصورة كاملة في خطاب السلطة، مدافعاً عن روايتها للصراع، ومهاجماً خصومها، وداعياً إلى الالتفاف حول الجيش، ومطلقاً تصريحات أثارت جدلاً واسعاً داخل سورية وخارجها، أبرزها تهديده العلني بأن أي تدخل عسكري ضد سورية قد يفضي إلى عمليات انتحارية في أوروبا والولايات المتحدة.
ولم يقف الأمر عند حدود الخطاب الموجّه إلى الداخل أو إلى الغرب، فقد امتد إلى الإشادة العلنية بقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، بوصفه داعماً للدولة السورية، رغم أن اسم هذا الشخص ارتبط، في تقارير أممية وحقوقية، بالدور الذي لعبته التشكيلات المسلحة المدعومة من إيران في النزاع السوري.
ولا تكمن أهمية هذه الوقائع في بعدها السياسي وحده، وإنما في احتمال أن ترى النيابة العامة فيها، إذا أثبتت صلتها بالوقائع محل الاتهام، واحداً من العناصر التي تستند إليها في بناء تصوّرها لدور المتهم.
ليست خصوصية أحمد حسّون في انتمائه المذهبي، بل في الوظيفة التي شغلها، فالقضية لا تتعلق بأنه شيخ دين سني، وإنما بأنه المرجعية الدينية الرسمية للدولةلكن أهمية قضية أحمد حسّون لا تنبع من مضمون تصريحاته وحدها، بل من الموقع الذي صدرت عنه، فالرجل لم يكن إمام مسجد يعبر عن رأيه الشخصي، ولا داعية مستقلاً يخاطب جمهوراً محدوداً، وإنما كان المفتي العام للجمهورية، أي أعلى مرجعية دينية رسمية في الدولة.
وهذه ليست مجرد صفة بروتوكولية، بل موقع يمنح صاحبه سلطة رمزية ومعنوية تجعل أثر كلمته مختلفاً عن أثر أي خطاب ديني آخر.
وربما هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات هذه القضية دلالة.
فالسلطة السورية، التي اعتمدت في بقائها على مؤسّساتها الأمنية والعسكرية، كانت تدرك، في الوقت نفسه، أن القوة وحدها لا تكفي لإنتاج الشرعية، فهي تحتاج رواية تبرّر خياراتها، وأصواتاً تمنحها غطاءً أخلاقياً أو دينياً أمام الرأي العام.
وفي الحالة السورية، اكتسب هذا البعد أهمية خاصة.
فالمسلمون السنة يشكلون غالبية السكان، كما أن معظم المناطق التي خرجت منها الاحتجاجات الأولى، ثم تعرضت لاحقاً للحصار والقصف والتهجير والنزوح، تنتمي إلى هذه البيئة الاجتماعية.
ولذلك لم تكن السلطة بحاجة إلى رجل دين لأنه ينتمي إلى هذه الغالبية، بل لأنها كانت بحاجة إلى مؤسسة دينية رسمية تستطيع مخاطبة المجتمع الذي كانت الحرب تتمدد في قلبه، وأن تضفي على خياراتها السياسية والعسكرية قدراً من الشرعية الأخلاقية والدينية لا تستطيع المؤسسة الأمنية ولا العسكرية إنتاجه.
ومن هنا، ليست خصوصية أحمد حسّون في انتمائه المذهبي، بل في الوظيفة التي شغلها، فالقضية لا تتعلق بأنه شيخ دين سني، وإنما بأنه المرجعية الدينية الرسمية للدولة، التي اختارت، طوال سنوات النزاع، أن تتبنّى خطاب السلطة وتدافع عنه.
ولذلك ما تنظر فيه المحكمة اليوم ليس هوية المتهم، بل طبيعة الدور الذي أدّاه من داخل مؤسّسة عامة، وما إذا كان هذا الدور قد تجاوز حدود التأييد السياسي أو الديني إلى ما يمكن أن يرتب مسؤولية جنائية، وهو أمر يبقى الفصل فيه رهناً بما ستثبته النيابة العامة أمام القضاء.
ولعل هذا ما يفسّر أيضاً اختلاف محاكمة أحمد حسّون عن محاكمات شخصيات أخرى من أركان النظام السابق.
فإذا كانت محاكمة عاطف نجيب تعيد فتح ملف القبضة الأمنية التي واجهت الاحتجاجات في بداياتها، ومحاكمة وسيم الأسد تلامس اقتصاد الحرب وشبكات النفوذ التي ازدهرت في ظلها، فإن محاكمة أحمد حسّون تمس ركناً ثالثاً لا يقل أهمية: الخطاب الذي سعى إلى إضفاء شرعية سياسية ودينية على خيارات السلطة.
وهكذا، لا تبدو هذه المحاكمات مجرّد مساءلة لثلاثة أشخاص، بقدر ما تبدو، في رمزيتها، مساءلة لثلاث وظائف مختلفة أدتها مؤسسات الدولة خلال سنوات النزاع: الأمن، والنفوذ، والشرعية.
غير أن كل هذه الرمزية، على أهميتها، لا تصلح بذاتها أساساً للإدانة.
فالقانون لا يحاكم الرموز، بل الأشخاص.
ولا يفصل في التاريخ، بل في الوقائع.
وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تغيب عن النقاش العام، مهما بلغت حساسية القضية أو حجم الانقسام الذي ما زالت تثيره شخصية أحمد حسون.
ولعل أكثر ما يكشف هذا الخلط هو اللقب الذي التصق به في الذاكرة السورية: " مفتي البراميل".
فهذا الوصف، مهما كانت دلالته السياسية والأخلاقية، لا يشكل دليلاً قضائياً، فالألقاب التي يصنعها الرأي العام تعبّر عن ذاكرة جمعية، لكنها لا تغني المحكمة عن واجب الإثبات.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين المسؤوليتين، الأخلاقية والجنائية.
فقد يحمل المجتمع شخصاً مسؤولية أخلاقية عن خطاب تبنّاه أو موقف دافع عنه، لكن المحكمة لا تصدر أحكامها على أساس الضمير العام أو القناعة السياسية، وإنما على أساس أفعالٍ يجرّمها القانون، تثبت بأدلة تخضع للمناقشة العلنية.
ولهذا، ليس السؤال الذي يواجه القضاء اليوم ما إذا كان أحمد حسّون وقف إلى جانب السلطة، فهذا لم ينكره هو نفسه، وإنما ما إذا كان هذا الموقف قد تجسّد، في ظروف محدّدة، في أفعال أو تصريحات ترتب مسؤولية جنائية فردية.
وهذا التمييز ليس ترفاً قانونياً، بل هو ما يميز العدالة عن الانتقام.
لا تبني قضية حسون على توصيف سياسي، بل على نصوص في قانون العقوبات السوري، تنسب إلى المتهم، من بين أمور أخرى، التحريض والتدخل في جرائم القتل، وإثارة النعرات الطائفيةلقد عرف السوريون، عقوداً طويلة، قضاءً كانت الأحكام فيه تسبق المحاكمات، وكانت الإجراءات تأتي لتبرير نتائج حُسمت سلفاً.
وإذا كان من معنى لأي تحول قانوني اليوم، فإنه يبدأ من رفض إعادة إنتاج هذا النموذج، حتى عندما يتعلق الأمر بشخصيات ارتبطت أسماؤها بواحدة من أكثر المراحل إيلاماً في تاريخ البلاد.
ولهذا، فإن المحكمة لا تملك أن تبدأ من صورة أحمد حسون في الوعي العام، ولا من حجم الغضب الذي يثيره اسمه لدى كثير من السوريين.
إنها مطالبة بأن تبدأ من مكان واحد فقط: ملف الدعوى.
ومن هنا، تكتسب لائحة الاتهام أهميتها.
فهي لا تبني القضية على توصيف سياسي، بل على نصوص في قانون العقوبات السوري، تنسب إلى المتهم، من بين أمور أخرى، التحريض والتدخل في جرائم القتل، وإثارة النعرات الطائفية، والمساهمة في أفعال ترى النيابة العامة أنها تدخل في نطاق الجرائم التي يعاقب عليها القانون الوطني.
كما تضفي على بعض الوقائع وصفاً مستنداً إلى قواعد القانون الدولي الإنساني، باعتبارها قد ترقى، إذا ثبتت عناصرها، إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وهي أوصافٌ شدّد قرار الاتهام على أنها لا تسقط بالتقادم ولا يشملها العفو.
غير أن إدراج هذه الأوصاف لا يعفي الادّعاء من عبء الإثبات، بل يضاعفه، فالنيابة العامة لا يكفيها أن تعرض تسجيلاتٍ لخطب أحمد حسّون، أو أن تثبت دفاعه عن الجيش، أو إشادته بشخصيات عسكرية أو سياسية ارتبطت بالنزاع.
قد يكون هذا كله جزءاً من السياق، لكنه لا يكفي وحده لقيام المسؤولية الجنائية.
المطلوب إثبات الصلة القانونية بين أقوال محدّدة ووقائع محدّدة، بحيث تقنع المحكمة بأن هذه الأقوال لم تكن مجرّد تعبير عن موقف سياسي، وإنما أسهمت، على النحو الذي يحدّده القانون، في ارتكاب الجرائم المنسوبة إليه.
وليس هذا الشرط استثناءً سورياً، بل هو من المبادئ الراسخة في القضاء الجنائي الدولي، ففي القضية المعروفة الخاصة بوسائل الإعلام في رواندا، لم تُدن المحكمة مسؤولين إعلاميين لأن خطابهم كان متطرّفاً أو صادماً، وإنما لأنها خلصت، بعد فحص دقيق للأدلة، إلى أن ذلك الخطاب تحوّل إلى أداة مباشرة للتحريض على الإبادة الجماعية.
وفي المقابل، أكّدت أحكام أخرى أن التعبير، مهما كان قاسياً أو منحازاً، لا يكفي وحده لقيام الجريمة ما لم تثبت العلاقة القانونية بين الكلمة والنتيجة.
ولهذا، لا تقدّم المقارنة مع تلك السوابق جواباً جاهزاً على قضية أحمد حسّون، لكنها تضع معياراً واضحاً: لا يكفي أن يكون الخطاب مستهجناً، بل يجب أن يثبت القضاء أنه تجاوز حدود الرأي إلى حدود الفعل.
وفي المقابل، لا يجوز أن تتحوّل ضمانات المحاكمة العادلة إلى ذريعة لتعطيل المساءلة.
فحقوق الدفاع ليست امتيازاً يمنح للمتهم، وإنما هي ضمانة لحماية الحكم نفسه.
كما أن قرينة البراءة لا تعني التقليل من خطورة الوقائع المنسوبة إليه، بل تعني أن المحكمة لا تبني قناعتها إلا على ما يثبت أمامها، لا على ما استقر في الذاكرة العامة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في أولى جلسات المحاكمة أن حسّون حاول، منذ اللحظة الأولى، إعادة تأطير علاقته بالسلطة باللغة التي أتقن استخدامها سنوات.
فعندما شبّه موقعه من بشار الأسد بموقع موسى من فرعون، لم يكن يقدّم دفاعاً قانونياً بقدر ما كان يقدّم رواية أخلاقية عن دوره.
لكن المحكمة لا تفصل في الاستعارات، ولا تحاكم البلاغة.
ما يعنيها سؤال واحد: هل تؤيد الأدلة الرواية التي تقدمها النيابة، أم الرواية التي يقدّمها المتهم؟ومن هذه الزاوية، لا تختبر محاكمة أحمد حسّون الرجل وحده، بل تختبر القضاء الذي ينظر في قضيته، فالدول الخارجة من النزاعات لا تُقاس قدرتها على المحاسبة بعدد المتهمين الذين يمثلون أمام المحاكم، بل بقدرتها على إخضاعهم جميعاً، أياً كانت مواقعهم السابقة، للمعايير القانونية نفسها.
فالقضاء لا يثبت استقلاله عندما يصدر أحكاماً قاسية، وإنما عندما يقاوم، في الوقت ذاته، ضغط السياسة، وضغط الرأي العام، وضغط الذاكرة الجماعية.
ولهذا، لن تُقاس القيمة الحقيقية لهذه المحاكمة بما إذا انتهت إلى إدانة أحمد حسّون أو إلى تبرئته، بل بالطريق الذي سيسلكه القضاء للوصول إلى أي من النتيجتين.
فإذا استند الحكم إلى أدلة خضعت للمناقشة العلنية، واحترم حقوق الدفاع، وطبق القانون بمعيار واحد، فإنه سيكتسب شرعية تتجاوز هذه القضية نفسها.
أما إذا غلبت الرمزية على الإثبات، أو بدا أن التاريخ سبق المحكمة إلى إصدار حكمه، لن تكون سورية قد غادرت تماماً الإرث الذي تحاول تجاوزه، بل ستكون قد استبدلت استثناءً بآخر.
الخلط بين المحاكمة الجنائية والعدالة الانتقالية قد يحمّل هذه القضايا أكثر مما تحتمل.
فالمحاكمات، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع وحدها أن تحمل أعباء العدالة الانتقالية بأكملها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك