ليس خبراً عظيم الشأن أن وزارة الثقافة السورية ألغت حفلاً للمغني السوري، شادي جميل، في دار الأوبرا في دمشق، لكنه، في الوقت نفسه، خبرٌ يحيل إلى غير مسألة، بعيداً عن ذلك الشأن الإداري المحض، والمتعلّق بإتاحة الوزارة القاعة لشركة إنتاج أرادت تنظيم الحفل المُلغى، وبعيداً أيضاً عن قرار الوزير محاسبة المسؤول في الوزارة الذي أعطى الترخيص لهذه الشركة.
تتعلّق المسألة، في الجوهر، بأمريْن، أو إشكاليّتيْن بلغة المثقفين إن شئت: أولهما أن الوزارة أخذت قرارها إلغاء الحفل المقرّر في 8 الشهر المقبل (يوليو/ تموز) استجابةً لساخطين طالبوا بهذا في صفحاتهم وحساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، فلا يجوز، بحسبهم، أن يُكافأ هذا المغنّي الذي اصطفّ مع الأسد، بإطلالة على الجمهور السوري، مثل هذه، في زمن انتصار الثورة على الأسد.
ويؤكّد هذا ما ضار معلوماً، وما لا يخصّ سورية وحدها، أن لهذا الفضاء الرقمي سلطته وقوته وتأثيره وفاعليّته، بعد أن أصبح أداة اتصال وتواصل حقيقي، وأداة تشبيكٍ ناجعة بين الفاعلين والناشطين والمبادرين.
وليست المرّة الأولى التي تتجاوب فيها الحكومة السورية مع نداءاتٍ ومطالباتٍ ضجّت بها" السوشيال ميديا"، غير أنها أهملت دعواتٍ إليها بالتجاوب مع مطالب أخرى.
وعلى أي حال، ليست السلطة ملزمةً، بالضرورة، بأن تسلك الفعل نفسَه مع كل ما تُنادى من أجل إجرائه.
ولكنها ملزمةٌ، في هذا الظرف الانتقالي الراهن (وفي كل ظرف)، بأن تيسّر سبل بناء قنوات تعبير التمثيلات الاجتماعية والأهلية والسياسية عن حاجاتها ومطاليبها وتطلّعاتها، فضلاً عن انتقاداتها السلطة نفسها.
وإذ مضى عام ونصف عام على إزاحة سلطة الفساد والاستبداد الأسدية، فإن النقابات المهنية لم تتمأسس بعد بالشكل المنتج والإيجابي الفاعل، وبالكيفيات الانتخابية المعلومة، الأمر المرهون، على ما يُقال، بتجاوز الحالة الانتقالية في البلاد، وبصدور تشريعٍ ينظّم العملية كلها.
غير أن النقابة القائمة لم يُسمع لها رأي في مسألة حفل شادي جميل المقرّر ثم الملغى.
ولم يتشكّل البرلمان الموعود، على ما في كيفيات انتخابه وتعيين ثلث أعضائه من مؤاخذات.
ولم تتنظم بعد في البلاد الأجسام التمثيلية والوسيطة العامّة التي يجري منها تصريف السوريين مواقفهم ومساءلاتهم، فلا تبقى" السوشيال ميديا" المنصّة الوحيدة لهذا وغيره.
يتعلق الأمر الثاني بالسؤال عن المسلك الأنسب والأجدى مع الفنانين السوريين الذين اصطفّوا مع نظام الأسد، هل يُقاطَعون جميعهم تماماً؟ هل يُحاسَبون ويعاقبون ويساءلون ويحاكمون؟ هل يغربلون لتتبيّن مستويات تزلّف بعضهم، أو مناصرة من ناصروا القتل بوضوح، أو مهادنة بعضهم النظام ومماشاته لتمرير مصالحهم وشؤونهم، أو من تعرّضوا لضغوط لم يقدروا على التملص منها، أو من تورّطوا من دون احتساب العواقب بسذاجة، وعلى استعداد لمراجعة ما كانوا عليه، بغير" التكويع" الذي لوحظ من ذلك النجم أو تلك الممثلة؟
وتصدر هذه الأسئلة عن وجاهة القول إن الفنانين، الممثلين والمغنّين والمخرجين وكتاب السيناريو والموسيقيين (و.
) الذين ناصروا الأسد في سنوات الثورة ليسوا في منزلة واحدة في خيارهم (أو خياراتهم) هذا، فلم يكونوا كلهم كما نجدت أنزور وسلاف فواخرجي (وغيرهما ربما) في مستوى الصفاقة الفاقعة مع النظام المتوحش الساقط.
ولا يحسُن أن تكون المسألة كلها موضوع مزايداتٍ ثوروية، فالأمور في ظاهرها وجوهرها ليست أبيض أو أسود.
ولا يغيب عن البال، في هذا المقام، إن حركية الإنتاج السينمائي والدرامي والغناني (.
) لن تستقيم في مجرى التقدّم والتطوّر والتميز وإنجاز النجاحات إذا كانت مقاصل الإقصاء والإبعاد والفوقية والمبالغات في الاتهامية وحدها الصيغة التي سيجري التعامل بها مع الفنانين السوريين، الذين كانوا في ضفّة الأسد الهارب.
وكثيرون منهم متميّزون، وعلى مستوى عال من الأداء (أحببناهم أو لم نحبهم).
والمعنى هنا إن كان شادي جميل، المغنّي الذي اصطفّ مع النظام الساقط، ولم تبدُر عنه أيه مشاعر إنسانية مع ضحايا الأسد، شهداء ومصابين ومهجّرين ومعتقلين، إن كان يستحق عدم منحه فرصة الإطلال على الجمهور في دار الأوبرا، التابعة لوزارة الثقافة، فليست هذه" العقوبة" ما يلزم الأخذ بها مع كل من ماشوا الأسد بالمطلق، من الفنانين، بكيفيةٍ أو بأخرى،
وإنْ أهل مكّة أدرى بشعابها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك