كرة القدم ليست مجرد لعبة، إذ لا يمكن تصور العالم من دون كرة القدم، ويمكن أن نتصور العالم من دون كرة السلة، أو الطائرة، أو الهوكي، أو الريغبي.
لا يمكن أن يقارن الحماس الذي تذكيه كرة القدم، بأي لعبة جماعية أخرى، ولا أي خسارة تقترن بها.
لم يرِد قط أن شخصا سالت دموعه وانهار لأن فريقه من كرة اليد انهزم، ولم يتردد أن بلدا استبد به الفرح وأخرجه إلى الشارع، لأن فريقه من أي فرقة شئنا، عدا كرة القدم، انتصر.
list 1 of 2بعد 25 ألف محاكاة.
توقعات الذكاء الاصطناعي لمباراة بلجيكا والسنغالlist 2 of 2السقوط أمام باراغواي يعمق أزمة ألمانيا.
هل خرج المانشافت من دائرة الكبار؟ذلك أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، وإنما معتقد، حتى لا نقول دينا وضعيا، كما في مصطلح لإميل دوركايم، لأنها تجسد الأنا الجمعي، وتقترن بطقوس، وتقوم على كلوريوس، وطني وعالمي.
أخذت (كرة القدم) عن الحرب روحها، من إيمان، وتعبئة وتحشيد، وأساليب الحرب، من هجوم، وهجوم مضاد، ودفاع، وتكتيك، وثأر، ويضطلع المدرب بدور قائد الأركان، وتقاس تصريحاته بالميزان، ويمكن أن يتبنى التمويه، والتضليل، ككل قائد أركانقوة كرة القدم، ليست من سحر لعبها فقط، ولكن من إيمان الجماهير بها، أو تعلقها، وهذا الاعتقاد ينسحب على الحكومات.
فحتى الولايات المتحدة التي كانت بعيدة عن كرة القدم، ولها لعبة بالاسم نفسه، ولها اسم مخصوص لكرة القدم المتعارف عليها" ساكر" (Soccer)، تحولت لكرة القدم، وأصبح لها فريق محترم، ودوري، واحتضنت مونديالين، لأنها ببساطة اعتنقت المعتقد الوضعي الجديد.
ولو تصورنا جدلا أن هذا الاعتقاد تحلل في بلد، أو في العالم، إذاك ستتحلل كرة القدم.
ليست كرة القدم ما صنع الجمهور، بل الجمهور ما يصنع كرة القدم.
في بداية أمرها، حين ظهرت كرة القدم في بريطانيا في منتصف القرن الـ19، كانت لعبة، توليفة لألعاب قديمة، يلعبها العمال خارج المعامل، وتكون بمثابة تسلية وترويح.
وما لبثت أن خرجت من رحم بريطانيا إلى أوروبا، ثم أمريكا اللاتينية ولتعرف أول تقعيد عالمي لها سنة 1904، ولكنها بعد الحرب العالمية الكبرى، وانعقاد أول مونديال سنة 1930، أصبحت تحويلا للعنف الذي بلت البشرية شروره في الحرب الكبرى.
أخذت عن الحرب روحها، من إيمان، وتعبئة وتحشيد، وأساليب الحرب، من هجوم، وهجوم مضاد، ودفاع، وتكتيك، وثأر، ويضطلع المدرب بدور قائد الأركان، وتقاس تصريحاته بالميزان، ويمكن أن يتبنى التمويه، والتضليل، ككل قائد أركان.
كرة القدم حرب، بأسلوب آخر.
يغدو اللاعبون الذين قادوا إلى الانتصار، إما بتسجيلهم، أو صدهم لضربات، أبطالا، أما من لم يسعفهم الحظ، وكانوا وراء هزيمة، فقلما تتغاضى الجماهير عنهمولذلك يقترن الانتصار لفريق بشعور الزهو الذي يصاحب انتصارا في معركة، أو في الحرب، لشعب بكامله، ويغدو الانهزام، كما هزيمة في حرب، ويرين الحزن ليس على الفريق وحده، بل على البلد.
يغدو اللاعبون الذين قادوا إلى الانتصار، إما بتسجيلهم، أو صدهم لضربات، أبطالا، أما من لم يسعفهم الحظ، وكانوا وراء هزيمة، فقلما تتغاضى الجماهير عنهم.
في مونديال 1994، سجل لاعب من كولومبيا على فريقه، لم تغفر له الجماهير، وكان أشدها، هو حين أطلق مشجع النار عليه وأراده قتيلا.
أفظع شيء يمكن أن يَعرض للاعب، هو أن يهدر ضربة جزاء، وأسوأ منه، في ضربات الترجيح، لضربة حاسمة كما وقع للاعب الإيطالي روبيرتو باجيو في نهائي مونديال 1994 ضد البرازيل، وضيع على بلاده انتصارا، وتوارى عن الأنظار وغار في عزلة.
ولأنها معتقد، تتوارى العقلانية، وحتى الشعور الذي من المفترض أن يلازم كرة القدم، وهو الروح الرياضية، يتحلل، أو يصبح مجرد طقوس، من غير إيمان.
لم تتطور كرة القدم في قواعدها، فحسب، لأن قواعدها المعمول بها، عرفت تغييرات، ولكن في ماهيتها، ولا تتورع حكومات أن تجعلها أداة سياسية.
لا يمكن التستر عن عيوب تقع فيها كرة القدم.
الإيمان الأعمى بها، يتحول إلى تعصب، ورفض للآخر، وافتراء عليه، وما يراد أن يتم تصريفه، بطريقة متمدنة، أي العنف، يعود بشكل فج، في الملعب، وفي المدرجات، وخارج المدرجات، ويقترن ذلك بالكراهيةلهذا التوظيف جوانب إيجابية، من دون شك، لتمتين الانتماء، وإشاعة شعور الفخار، حتى في دول عريقة، كما فرنسا، التي بعد تتويجها بالفوز العالمي سنة 1998، رفعت شعار" أسود، أبيض، عربي"، إحالة للهوية الفرنسية الجديدة، لأن انتصارها ذاك كان انتصارا لهذه المكونات الثلاثة، من فرنسيين من أصول أفريقية، ومن فرنسيين أصلاء، ومن مغاربيين، مع رمزية زين الدين زيدان مهندس الانتصار.
وكان الشعار ذاك، جوابا على احتدام قضايا العنصرية والتنافر الاجتماعي.
وقد يكون لكرة القدم جوانب سلبية، تصرف الشعوب عن قضاياها الأولى، وتغذي التعصب.
هذا الانزياح ما دفع ببعض أصحاب الفكر، إلى أن يجعلوا من كرة القدم أفيونا للشعوب، تصرفهم عن قضاياهم الملحة، وتغدو حجابا يحجب مشاكلهم الملحة، كي تستر عورتها بخرقة، تنسيها وضعها، هو الحكم الأقصى والأقسى.
في عالم عاد فيه العنف، وأصبحت الحرب واقعا، تغدو كرة القدم حربا نظيفة.
حرب لها من الحرب حماسها، وزهوها، وشعور التعبئة المرافق للحروب، وقد يقترن بها شعور الهزيمة، الذي يقترن بالحروب، ولكنها حرب من دون إراقة الدم، ومن دون تدمير، وترميل، وتثكيل.
لكن في الوقت ذاته، لا يمكن التستر عن عيوب تقع فيها كرة القدم.
الإيمان الأعمى بها، يتحول إلى تعصب، ورفض للآخر، وافتراء عليه، وما يراد أن يتم تصريفه، بطريقة متمدنة، أي العنف، يعود بشكل فج، في الملعب، وفي المدرجات، وخارج المدرجات، ويقترن ذلك بالكراهية.
تقع كرة القدم، أمام عنصر آخر، يحولها عن الغاية منها، وهو المال.
تصبح النوادي، والشركات والإشهار صانعة النواميس.
حتى الانتماء إلى دول، يتحلل، أو يصبح انتماء سائلا، إذ لا يرتبط لاعبون ببلد ما، إلا أثناء مباريات دولية، أو قارية أو في المونديال.
أرى أن تقترن مباريات الكرة، مع من يذكر بالغاية منها، حتى لا أقول المفكرين، وهي تعارف الشعوب، وأن الانتصار في مباراة، أيا كان، لا يعفي من انتصار على الفقر والتفاوتات الاجتماعيةولذلك، تحتاج كرة القدم إلى جرعة من الفلسفة، أي طرح السؤال عن الغاية منها، أو إعادة طرحه.
لا يمكن تصور انتصار فرق تربو على الأربعين، كلها، في اللعبة، والغاية أن تنتصر في الغاية من اللعبة، وهي تعارف الشعوب وتقاربها.
ويمكن استحضار جوانب من كرة القدم، وهو تصريف العنف، لا إذكاؤه، ولذلك يتحتم تشريح كرة القدم بمبضع الفلسفة، بطرح الغاية من هذه اللعبة السحرية، التي تجاوزت إطار لعبة لكي تكون معتقدا، وينبغي تصريف هذا المعتقد ليكون أداة في تصريف العنف الثاوي، وفي تقارب الشعوب.
أعترف أنني انتقلت في علاقتي بكرة القدم، من إيمان أعمى، إلى النظرة إليها بصفتها أفيونا، ولكن منذ أن أصبحت الحروب ضابطة إيقاع العلاقات الدولية، ألفيت أن كرة القدم، هي حرب متمدنة، لا تخلف دمارا ولا ضحايا.
بيد أنه لا يمكن أن نتستر عن الزيغ الذي تعرفه كرة القدم، حين يصبح الإيمان بها، إيمانا أعمى يصرف عن الحقيقة، ويغدو أداة للبغضاء والشحن.
يرافق طقوس كرة القدم لفيف من الصحافيين، تعد أدوارهم حاسمة، ومنهم من بلغ النجومية، وهم يضطلعون بدور لا يمارى فيه، من نقل المباريات والتعليق عليها، وحفظ ذاكرة الكرة.
وأرى أن تقترن مباريات الكرة، مع من يذكر بالغاية منها، حتى لا أقول المفكرين، وهي تعارف الشعوب، وأن الانتصار في مباراة، أيا كان، لا يعفي من انتصار على الفقر والتفاوتات الاجتماعية، وأن الهزيمة، في مباراة، لا ينبغي أن تصرف عن الروح الرياضية، والغاية من هذا العرس الرياضي الفريد، هو تعارف الشعوب، وليس تباغضها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك