تضمن مسار هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة عشرات الجبال، لكن جبلا واحدا فقط تضمن غارا مكث فيه الرسول وصاحبه أبو بكر الصديق 3 أيام، أصبح رمزا إسلاميا مهما وشاهدا على أبرز محطة في التاريخ الإسلامي، وهو" جبل ثور".
لكن يبدو أن تاريخ هذا الجبل ضارب في القدم، حيث يرجح جيولوجي أمريكي تحدث للجزيرة نت أن تكون صخور هذا الجبل قد تشكلت في باطن الأرض على مدى 800 مليون سنة، ثم بردت الصهارة وتصلبت في الأعماق.
ويقول الدكتور توماس وينسلو سيسون، الجيولوجي في مركز علوم البراكين التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، إن جبل ثور يتكون من صخور" الجرانيت" الصلبة، وهي صخور نارية لم تتشكل على سطح الأرض مباشرة، بل بدأت كـ" صهارة جوفية" في أعماق سحيقة، ثم اندفعت وتداخلت بين الطبقات الأرضية، وبعد ذلك بردت وتصلبت ببطء شديد تحت السطح، قبل أن ترفعها الحركات التكتونية وتكشفها عوامل التعرية عبر العصور ليظهر الجبل.
ويوضح أن الدراسات التاريخية لصخور منطقة مكة المكرمة تشير إلى أن اندفاع هذه الصهارة وتصلبها لم يحدث فجأة، بل عبر دفعتين رئيسيتين يفصل بينهما زمن طويل، وتعود الدفعة الأولى (الأقدم) إلى ما بين 824 و802 مليون سنة، أما الدفعة الثانية (الأحدث جيولوجياً)، فتشكلت قبل نحو 664 مليون سنة.
ويعتمد تحديد هذه الأرقام على ما يُعرف بـ" التأريخ الإشعاعي"، وهو بمثابة ساعة زمنية طبيعية داخل الصخور، حيث يحتوي الجرانيت على كميات ضئيلة جداً من العناصر المشعة الطبيعية (مثل اليورانيوم) التي تتحلل بمعدل ثابت لا يتغير بمرور الوقت لتتحول إلى عناصر مستقرة (مثل الرصاص)، ومن خلال قياس نواتج هذا التحلل، يمكن حساب عمر الصخرة بدقة متناهية.
ويضيف أن" تقنية اليورانيوم – الرصاص"، والتي تُجرى على معدن" الزركون"، الموجود في جميع الصخور الجرانيتية، هي الأدق والأكثر موثوقية عالمياً، لأن بلورات الزركون شديدة المقاومة، بحيث تحبس السجلات الإشعاعية داخلها دون التأثر بالعوامل الخارجية".
ورغم ما هو متاح علميا عن عمر صخور المنطقة ككل، إلا أن هذا لا يمنع، بحسب توماس، من إخضاع جرانيت" جبل ثور" لهذه التقنية الدقيقة لتحديد عمرها الدقيق.
ويفرق توماس بين عمر صخور الجبل، وبين نشأة الجبل نفسه، ويشير إلى أن الصخور الجرانيتية التي تشكل هيكل جبل ثور والدرع العربي تصلبت في باطن الأرض قبل أكثر من 800 مليون سنة، إلا أن هذه الصخور ظلت مدفونة لوقت طويل، ولم تبدأ في الارتفاع لتتحول إلى تضاريس وجبال شاهقة إلا مؤخراً، وتحديداً في عصر" الميوسين".
ويربط الجيولوجي الأمريكي الشهير، نشأة الجبل بحدث تكتوني عظيم وهو ولادة البحر الأحمر، وقال إنه" قبل 25 مليون عام، بدأت شبه الجزيرة العربية بالابتعاد والانفصال عن القارة الأفريقية، وهو الحدث الذي أدى إلى ولادة البحر الأحمر، ومعه بدأت المرتفعات الغربية للمملكة في الصعود التدريجي، وقبل 14 إلى 10 ملايين عام شهدت المنطقة موجة صعود عنيفة وقوية، قفزت خلالها جبال مكة والحجاز إلى الارتفاعات الشاهقة التي نراها اليوم".
وعلى عكس الجبال العالمية الشهيرة مثل" الهيمالايا" التي نشأت نتيجة تصادم الصفائح الأرضية ببعضها (قوى ضغط)، فإن جبال مكة، ومنها جبل عسير نشأت بطريقة معاكسة تماماً يشرحها توماس.
ويقول إنه" أثناء انفصال البحر الأحمر، فقدت الأرض جزءا كبيرا من الصخور العميقة والكثيفة شديدة الثقل التي تقع تحت القشرة مباشرة (الغلاف الصخري للوشاح)، بالإضافة إلى ذلك، تعرضت القشرة الأرضية لمنطقة الحجاز لحرارة هائلة من باطن الأرض، مما أدى إلى تمدد صخورها وانخفاض كثافتها، فأصبحت أخف وزنا، ونتيجة لقلة كثافتها، طفت القشرة الأرضية إلى أعلى فوق منصهر باطن الأرض بفعل عامل الطفو الطبيعي، لترتفع تلك الجبال الشامخة".
ويشبه الجيولوجي الأمريكي هذه الآلية التي أظهرت جبل ثور في الماضي، بما يحدث في المرتفعات الشاهقة المحيطة بـ" منخفض عفار" في منطقة الأخدود الأفريقي العظيم بإثيوبيا، حيث تتسع الأرض وتتباعد، وتتسبب الحرارة الباطنية في رفع الجبال المحيطة بنفس الآلية.
وعن كيفية تشكل غار ثور في قلب الجبل، يأخذنا توماس إلى قصة جيولوجية مثيرة استطاع أن يقرأ أحداثها بمطالعة صور الجبل والغار.
ويقول إن" اللقطات الفوتوغرافية لقمة ومنحدرات الجبل تظهر أن صخور الجرانيت الصلبة لم تحتفظ بزواياها الحادة بفعل العوامل المناخية، حيث تعرضت خلال قرون طويلة لظاهرة جيولوجية تعرف بـ" التجوية الصخرية"، حيث تسببت الرياح وتباين درجات الحرارة بين النهار والليل في تفتت وتآكل أطراف الصخور ببطء شديد، مما أدى بمرور الزمن إلى صقلها وتحويلها إلى كتل دائرية ضخمة هائلة الحجم، تُعرف علمياً باسم" الجلاميد المستديرة".
وينتقل إلى الفصل التالي من القصة، حيث تدحرجت هذه الكتل الجرانيتية المستديرة الضخمة من أعلى المنحدرات بفعل الجاذبية وعوامل الإزاحة الطبيعية، لتسقط إحدى هذه الصخور الضخمة وتستقر بدقة فوق تصدع أو شق صخري واسع بين صخرتين، لتعمل كـ" سقف طبيعي".
وكان ختام القصة في أن هذا الاستقرار الطبيعي للصخرة ترك خلفه وتحته مساحة فارغة ومحمية، وهو التشكيل الهندسي الدقيق الذي نراه اليوم في" غار ثور".
ووفق ما سبق، يبدو أن جبل" ثور" في مكة المكرمة، ليس مجرد معلم بارز في التاريخ الإسلامي، إذ يراه توماس بمثابة" أرشيف جيولوجي".
ويقول إن" صخور الجرانيت التي تشكل هذا الجبل الشامخ تحمل في طياتها ثلاث معلومات مختلفة، تنتظر تقنيات المختبرات الحديثة لتقرأها لكشف أسرار بيئات الأرض القديمة".
وأول هذه المعلومات" معرفة اللحظة الدقيقة التي بردت فيها الصهارة الجوفية الساخنة (الماغما) في باطن الأرض لتتحول إلى صخر صلب، وهي خطوة أساسية لوضع التحديد الزمني الدقيق لنشأة صخور الجبل، ويمكن التوصل لهذه المعلومة عبر استخدام تقنية دقيقة تُعرف بـ (اليورانيوم – الرصاص) المطبقة على بلورات معدن" الزركون" المجهرية المتوفرة في الجرانيت".
والمعلومة الثانية هي" متى قفزت الصخور إلى السطح"، فالصخور في أعماق الأرض تكون شديدة السخونة، لكن عندما تبدأ الحركات التكتونية وعوامل التعرية في دفع هذه الصخور إلى أعلى، تبدأ في البرودة تدريجياً كلما اقتربت من السطح، ويمكن تطبيق تقنيات لتحديد" عمر الارتفاع" ومن أبرزها" تأريخ مسارات الانشطار في معدن الأباتيت"، وهو معدن طبيعي في الجرانيت تُخلف فيه الجسيمات المشعة مسارات مجهرية تتأثر بالحرارة، كما يمكن استخدام تقنية تأريخ (اليورانيوم – ثوريوم – هيليوم) في الزركون.
أما المعلومة الثالثة فهي الوقت الذي قضاه الجبل مكشوفاً، فبمجرد أن يستقر الجبل في شكله النهائي وتصبح صخوره مكشوفة تماماً للهواء، تبدأ مرحلة جديدة من التوثيق الطبيعي عبر" الأشعة الكونية"، وهي جسيمات عالية الطاقة قادمة من الفضاء الخارجي تقصف القشرة الأرضية باستمرار، وهذه الأشعة تخترق السنتيمترات القليلة الأولى من الصخر، وتتسبب في تحويل بعض العناصر بداخلها إلى" نظائر مشعة فريدة"، ومن خلال قياس هذه النظائر في المختبر، يمكن حساب المدة الزمنية الدقيقة التي قضاها الصخر وهو مواجه للغلاف الجوي.
وبالحصول على هذه المعلومات الثلاث يتحول جبل ثور من مجرد معلم ديني وتاريخي في وجدان العالم الإسلامي، إلى وثيقة جيولوجية تختزل فصولا مذهلة من تاريخ كوكب الأرض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك