الكتب العتيقة.
أنوار مضاءة من النقد والشعر: بودلير أنموذجاعلى عتبات الكتب العتيقة نقف، بينما قلوبنا تنبض متسارعة، لأننا لا نقف عند صفحات كتبت أسطرها بريشة كاتب وحبر طبع لونه الأسود من تواقيع مشاهير الإبداع فحسب، وإنما نقف عند عتبات مغارات فيها كنوز وجواهر لا تقدر بثمن، وصفحات تتزين بقلادات أزمنة عتيدة.
قرون مضت، فيما لا يزال مبدعوها نجوما تتلألأ في زمننا الحاضر، فيدفعنا شغف القراءة إلى أن نطرق أبواب هذه الكتب.
وحيث إن تاريخها يعود إلى القرن التاسع عشر، ولأحد مبدعي ذلك القرن، تفتح لنا أغلفتها لنفتش عما وراءها، فتتمعن أعيننا في صفحات مضاءة تتلألأ بأنوار أحد أبرز مبدعي القرن التاسع عشر في الشعر ونقد الفنون التشكيلية، وهو الشاعر والناقد الفرنسي شارل بودلير (1821-1867).
اخترنا كتاب ما وراء الرومنطيقية لبودلير، فوجدنا أنفسنا نتوه في متاهات الألوان والفرشاة ولوحات الرسم، فيتلقفنا بودلير بتحليلاته التي يستمد منها القارئ التنوير المعرفي لهذا الفن العريق.
ولقد حمل بودلير على أكتافه ثقل معاناة نفسه وذاته وعبقريته، التي تفجرت من خلالها مواهبه في الشعر والنقد، ليصبح من أبرز شعراء ونقاد القرن التاسع عشر.
اعتبر بودلير أن الرومنطيقية التقليدية غلبت على الخيال في رسم اللوحات الفنية في معرض الرسم الجماعي في باريس عام 1855يعتبر بودلير في كتاب ما وراء الرومنطيقية أن البقاء على قواعد الأكاديمية في صناعة الجمال عند رسم اللوحات الفنية ما هو إلا محو وفناء لهذا الجمال.
ويقصد بالجمال هنا الجمال الفني لا الجمال الطبيعي، حيث يؤكد أن ملكة التخييل لدى الرسام ضرورية، لأنها تمثل الحياة، وهي الروح التي تبث في جسد الإبداع لتختلق أفكارا جديدة تتوالد وتتناسل من ذلك العالم الجميل الذي يسمى عالم الخيال، الذي يعيش فيه الفنان المبدع.
ويرى أن التمسك بقواعد الأكاديمية في الرسم يؤدي إلى النمطية وعدم التنوع في الأفكار، فلا تعود اللوحات معبرة عن رؤى فنية شخصية، وإنما تخضع لأنماط وأفكار تنحصر في أشكال واحدة.
فلسفة بودلير في نقد الفن التشكيلييصور بودلير في مستهل كتاب ما وراء الرومنطيقية الناقد بأنه من ينظر إلى الأمور بـ" نظر ناقد حالم ينصرف عقله إلى التعميم بقدر انصرافه إلى البحث في دقائق الأمور".
ويفسر عبارته بأنه" ينصرف إلى فكرة النظام والمراتبية الكونية"، على حد قوله.
ومن هنا نلاحظ أنه يضع فلسفة مهمة في تحليله، ولكن ليس على أساس تفضيل فنان على آخر، وإنما على أساس ما هو متميز ومتفرد في التخييل الإبداعي.
الجمالية الفنية والانتقال إلى الحداثةاعتبر بودلير أن الرومنطيقية التقليدية غلبت على الخيال في رسم اللوحات الفنية في معرض الرسم الجماعي في باريس عام 1855.
وقد تناول في هذا الكتاب لوحات ذلك المعرض بالتحليل، لفنانين كبار، منهم آنغر وأوجين دو لاكروا وغيرهما.
وقد عمد إلى إحداث نقلة نوعية بإعطاء الفن التشكيلي رمزية مهمة، والانتقال به من العاطفة التقليدية إلى الحداثة، من خلال الفهم العميق للوحات الفنية، وكشف الأخطاء فيها وتصحيحها بالنقد، وتشجيع الأعمال الصحيحة وتسليط الضوء عليها.
وفي الحالتين، فإن نقده شمل كبار الفنانين في القرن التاسع عشر وما قبله.
وقد شدد بودلير على الجمالية الفنية في الانتقال إلى الحداثة في الرسم والنحت وسائر الفنون.
رسامو الفن التشكيلي تحت المجهر البودليرييضع بودلير كل فنان تشكيلي تحت مجهر الناقد.
ولئن ذكر عددا من الرسامين المشهورين في معرض باريس لعام 1855، فإننا سنتناول باختصار شديد نقده لاثنين منهم، هما آنغر وأوجين دو لاكروا.
فقد اعتبر أن آنغر، رغم شهرته رساما، كانت ملكاته في حالة استقالة، على حد تعبيره، لأن الأسلوب الأكاديمي طغى لديه على ملكة الخيال والتخييل في لوحاته الفنية.
ولهذا رأى أنه يميل إلى القديم وإلى الأكاديمية، ويبتعد بذلك عن العبقرية.
أما أوجين دو لاكروا، فقد اعتبره يعتمد على التخييل في رسم لوحاته الفنية، ولذلك وجده متجددا في الموضوعات التي تعالجها أعماله.
بودلير استطاع لاحقا أن يكتب قصائد جديدة أعادت البناء المعماري الشعري إلى وضعه الصحيحأزهار الشر.
قصائد في بناء معماري شعريقال فيكتور هوغو لبودلير: " إنك أحدثت رعشة جديدة في الشعر الحديث".
ويعد بودلير شاعر العصر الحديث، وقد اتبع في ديوان أزهار الشر بناء معماريا شعريا، بحيث ترتبط كل قصيدة بالتي تليها وتكملها، وأي خلل في واحدة منها يؤثر في بقية القصائد.
وقد حدث ذلك عندما حذفت المحكمة، بقرار قضائي، عشر قصائد من الديوان، وفرضت عليه غرامة مالية، بدعوى أن تلك القصائد تمس الأخلاق، وهو ما أحدث اختلالا في البناء المعماري للديوان، كما ورد في مقدمة مترجم كتاب يوميات بودلير.
إلا أن بودلير استطاع لاحقا أن يكتب قصائد جديدة أعادت البناء المعماري الشعري إلى وضعه الصحيح.
وفيما يلي بضعة أسطر من قصيدة سمو، وهي إحدى قصائد أزهار الشر:طيري يا نفسي بعيدا عن هذه الروائح الكريهةواذهبي وتطهري في الفضاء الواسع العاليوليكن شرابك الإلهي النقي هذا الضياء اللامعالذي يملأ أجواء الفضاء الصافيةما أسعد من يستطيع بجناح جبارأن ينطلق إلى الحقول المضيئة الصافيةتاركا وراءه السأم والأحزان الكبيرةالتي تهيمن بثقلها على هذا الوجود الغامضلم يفت بودلير أن ينقل معاناة الفرد الباريسي في صور شعرية غاية في الروعة والإحساس والدقة في الوصف، شكلت عصب الحياة في فرنسا آنذاكسأم باريس.
قصائد عن حياة مدينة تتوسد البؤس من منظور فلسفينتلمس في شعر بودلير العمق الإنساني والفني في رؤاه الثاقبة والمتفحصة.
فهو الباريسي الحقيقي الذي انغمس في تفاصيل الحياة الباريسية وبؤسها من منظور فلسفي إبداعي بلغ حد العشق لها.
ويعد سأم باريس كتابا تحلق صفحاته في فضاء القصيدة النثرية الإبداعية.
ولم يفت بودلير أن ينقل معاناة الفرد الباريسي في صور شعرية غاية في الروعة والإحساس والدقة في الوصف، شكلت عصب الحياة في فرنسا آنذاك.
ومن أجمل ما رسمه لوحة نثرية عن مهرج عجوز انزوى بعيدا عن مهرجان لأحد أعياد المواسم التي كان يحتفل بها الناس في باريس.
وقد حملت تلك الكلمات غصة تصور شيخا أثقلته الهزائم والانكسارات وخيبات العمر، فلم يعد يقوى على مشاركة الآخرين فرحتهم.
ويصف بودلير ذلك المهرج العجوز قائلا: " شعرت بحلقي يضيق تحت يد الهيستيريا المرعبة، وبدا لي أن عيني قد غامتا بتلك الدموع المتمردة التي لا تريد أن تسقط".
ويضيف في نهاية تلك النثرية الجميلة: " وعند عودتي مأخوذا بهذه الرؤية، حاولت أن أفسر ألمي المفاجئ، وقلت لنفسي: لقد رأيت صورة الأديب المسن الذي عاش بعد جيله، وكان يقدم له أجمل تسلية.
وصورة الشاعر العجوز، بلا أصدقاء ولا أسرة ولا أطفال، وقد حط من شأنه البؤس والجحود العام، وتركه في الكابينة التي لم يعد العالم، الذي ينسى، يملك الرغبة في دخولها".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك