برلين ـ “القدس العربي”: لم يكن خروج المنتخب الألماني من كأس العالم 2026 مجرد هزيمة جديدة في سلسلة إخفاقات كروية متلاحقة، بل تحول سريعاً إلى مادة سياسية وإعلامية ساخرة في ألمانيا وخارجها، بعدما اختار المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن يواسي لاعبي منتخب بلاده بكلمات بدت لكثيرين بعيدة عن واقع المباراة، ومتناقضة مع حجم الخيبة التي يعيشها جمهور اعتاد أن يرى ألمانيا في الأدوار المتقدمة لا خارج البطولة مبكراً.
وخسرت ألمانيا أمام باراغواي بركلات الترجيح 3-4، بعد تعادل الفريقين 1-1 في الوقتين الأصلي والإضافي ضمن دور الـ32 من مونديال 2026 المقام في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
وبذلك ودعت بطلة العالم أربع مرات البطولة مبكراً للمرة الثالثة توالياً، بعد خروجها من دور المجموعات في نسختي 2018 في روسيا و2022 في قطر.
وبعد ساعات من الهزيمة، كتب المستشار الألماني فريدريش ميرتس، عبر حسابه على منصة «إكس»: «رغم أن الخروج مؤلم: يا لها من مباراة.
بتفانيكم وروحكم الجماعية في هذه البطولة ألهمتم بلدنا.
نحن فخورون بكم».
كان يفترض بهذه الكلمات أن تكون رسالة دعم تقليدية من رأس السلطة السياسية إلى منتخب وطني يمر بصدمة رياضية.
لكن ما حدث كان عكس ذلك تقريباً.
فبدلاً من أن تُقرأ رسالة ميرتس بوصفها محاولة لرفع معنويات اللاعبين، تحولت إلى مادة للسخرية والغضب، لأن كثيراً من المشجعين رأوا أن المباراة لم تكن ملهمة ولا تستحق هذا القدر من الثناء.
بدلاً من أن تُقرأ رسالة ميرتس بوصفها محاولة لرفع معنويات اللاعبين، تحولت إلى مادة للسخرية والغضب، لأن كثيراً من المشجعين رأوا أن المباراة لم تكن ملهمة ولا تستحق هذا القدر من الثناءوبحسب موقع «t-online» الألماني، فإن منشور ميرتس أثار موجة واسعة من الانتقادات على منصة «إكس»، حيث تساءل معلقون عن المباراة التي شاهدها المستشار، بينما رأى آخرون أن حديثه عن الفخر والروح الجماعية بدا منفصلاً عن الأداء الفعلي للمنتخب الألماني أمام باراغواي.
المشكلة بالنسبة للجمهور الألماني لا تكمن فقط في خسارة مباراة بركلات الترجيح، فهذه قد تحدث لأي منتخب، بل في تراكم الإخفاقات منذ التتويج التاريخي بكأس العالم 2014 في البرازيل.
فمنذ ذلك الحين، تراجعت صورة «الماكينات الألمانية» التي كانت ترمز إلى الانضباط والصلابة والقدرة على الحسم، لتحل مكانها صورة منتخب متردد، بطيء أحياناً، ويفتقد إلى الشخصية التي صنعت هيبة الكرة الألمانية لعقود.
بيلد: منشور ميرتس غريب ومثير للسخريةصحيفة «بيلد» الألمانية ذهبت أبعد من مجرد تسجيل الانتقادات، ووصفت منشور ميرتس بأنه «غريب» وسبب له سخرية واسعة.
وكتبت الصحيفة أن كثيراً من الجماهير رأت في كلام المستشار محاولة لتجميل هزيمة ثقيلة معنوياً، لا سيما أن المنتخب الألماني قدم، حسب وصفها، أداءً باهتاً في فترات طويلة من المباراة، اتسم بالبطء والرتابة وغياب الإلهام.
وتساءلت الصحيفة بنبرة حادة عما إذا كان المستشار «يعني ما يقول فعلاً»، معتبرة أن حديثه عن إلهام البلاد جاء في توقيت صادم بالنسبة إلى جمهور خرج لتوه من خيبة جديدة.
فبالنسبة لكثير من الألمان، لم تعد الأزمة مقتصرة على نتيجة واحدة، بل باتت مرتبطة بسؤال أوسع: ماذا حدث للكرة الألمانية؟ولم يقتصر الجدل على الصحافة الشعبية.
فقد نقلت وسائل إعلام ألمانية أخرى تعليقات غاضبة من مستخدمين رأوا أن «تمجيد الفشل» مشكلة تتجاوز الرياضة إلى السياسة والثقافة العامة في البلاد.
وهذه النقطة تحديداً جعلت منشور ميرتس يتجاوز حدود كرة القدم، ليتحول إلى مرآة صغيرة للنقاش الألماني الأكبر حول الأداء والطموح والمحاسبة.
المفارقة أن الهزيمة الألمانية ومنشور ميرتس لم يبقيا داخل الحدود الألمانية.
فبحسب صحيفة «بيلد»، استغل كيريل دميترييف، المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجدل للسخرية من المستشار الألماني، وكتب عبر منصة «إكس» أن «ميرتس جيد في تشجيع الفشل مراراً».
كانت العبارة قصيرة، لكنها سياسية بامتياز.
فموسكو التي تخوض منذ سنوات مواجهة مفتوحة مع برلين على خلفية الحرب في أوكرانيا، وجدت في الإخفاق الكروي الألماني فرصة لتوجيه ضربة رمزية إلى المستشار.
وهكذا تحولت مباراة في كأس العالم إلى مساحة جديدة من مساحات المناكفة السياسية بين روسيا وألمانيا.
فموسكو التي تخوض منذ سنوات مواجهة مفتوحة مع برلين على خلفية الحرب في أوكرانيا، وجدت في الإخفاق الكروي الألماني فرصة لتوجيه ضربة رمزية إلى المستشارولا تبدو هذه السخرية معزولة عن سياق أوسع.
فميرتس من أكثر السياسيين الألمان تشدداً في دعم أوكرانيا وانتقاد موسكو، ولذلك فإن أي تعثر داخلي، حتى لو كان رياضياً، يمكن أن يتحول في الخطاب الروسي إلى مناسبة لتصوير ألمانيا كبلد يعيش سلسلة إخفاقات، في السياسة كما في الرياضة.
ولم يكن ميرتس السياسي الوحيد الذي حاول قراءة الهزيمة بطريقة مختلفة.
فقد كتب وزير الصحة الألماني السابق كارل لاوترباخ، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أن خروج ألمانيا كان «غير مستحق»، معتبراً أن المنتخب كان الأفضل طوال المباراة وأن خطأ تحكيمياً لعب دوراً في النتيجة.
لكن هذا التفسير لم يقنع كثيرين أيضاً.
فالجمهور الألماني، الذي تابع إخفاقات 2018 و2022، لم يعد مستعداً بسهولة لتفسير كل سقوط بعامل خارجي.
وهناك شعور متزايد بأن المنتخب يحتاج إلى مراجعة أعمق من الحديث عن التحكيم أو سوء الحظ أو قسوة ركلات الترجيح.
الخروج المبكر يضع المدرب يوليان ناغلسمان والاتحاد الألماني لكرة القدم أمام ضغط هائل.
فالرجل جاء إلى المنتخب بوصفه مدرباً شاباً قادراً على إعادة الحيوية إلى فريق فقد الكثير من بريقه.
لكن الحصيلة في النهاية لا تختلف كثيراً عن الدورات السابقة: خروج مبكر، أداء غير مقنع، وأسئلة معلقة حول الهوية والأسلوب والقيادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك