لم تعد مكافحة التستر التجاري في السعودية تقتصر على ضبط المخالفات بعد وقوعها، بل أصبحت منظومة رقابية متكاملة تعتمد على تحليل البيانات، ورصد مؤشرات الاشتباه، والاستهداف المسبق للأنشطة الأكثر عرضة للممارسات غير النظامية، في إطار جهود حكومية تحمي الاقتصاد الوطني، وتعزز عدالة المنافسة، وترفع مستوى الامتثال في الأسواق، لذا أسست المملكة البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري لتعزيز القضاء على هذه الظاهرة التي تندرج تحت ما يعرف بـ" اقتصاد الظل".
وكشف البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري في السعودية لـ" العربية.
نت" عن تنفيذ أكثر من 10 آلاف جولة رقابية في مختلف مناطق المملكة في غضون شهري أبريل ومايو 2026، استناداً إلى الدلالات ومؤشرات الاشتباه بالتستر، في خطوة تعكس استمرار الجهود الرقابية الرامية إلى رفع مستوى الامتثال والحد من الممارسات التجارية غير النظامية.
وضبطت الجولات 305 حالات اشتباه أولية بالتستر التجاري، أُحيلت إلى الجهات المختصة لاستكمال إجراءات التحقق، واتخاذ الإجراءات النظامية بحق المخالفين تمهيداً لتطبيق العقوبات المقررة بحق الذين تثبت إدانتهم.
في الإطار ذاته، ركزت جولات البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري على التحقق من امتثال المنشآت التجارية لأحكام نظام مكافحة التستر، وضبط الجرائم، مستهدفة عدداً من الأنشطة الاقتصادية التي ترتفع فيها مؤشرات الاشتباه، مثل البيع بالتجزئة للحوم والدواجن المجمدة، والبيع بالجملة والتجزئة لقطع الغيار الجديدة للسيارات وتوابعها بما يشمل زينة السيارات، ومراكز خدمات وصيانة السيارات، والإنشاءات العامة للمباني السكنية، والنقل البري للبضائع، إضافة إلى أنشطة التموينات.
أنظمة سعودية لمنع نمو الظاهرةويُعد التستر التجاري من أبرز الجرائم الاقتصادية نتيجة ما يترتب عليه من آثار سلبية تمتد إلى الإضرار بالمنافسة العادلة، وإضعاف فرص نمو المنشآت النظامية، وتشويه بيئة الاستثمار، وخلق اقتصاد خفي ينعكس على كفاءة الأسواق، إلى جانب ارتباطه في بعض الحالات بمخالفات مالية وتجارية أخرى.
ومن هذا المنطلق، كثفت المملكة خلال السنوات الأخيرة جهودها لمكافحة هذه الجريمة عبر تطوير الأنظمة والتشريعات، وتكامل أعمال الجهات الحكومية، وتوظيف التقنيات الحديثة، وتحليل البيانات في الكشف عن المخالفات.
تصاعد زخم الحملات الرقابيةوتشير البيانات الصادرة عن البرنامج الوطني إلى أن الحملات الرقابية تشهد تصاعدًا مستمرًا خلال العام الجاري، إذ نفذ البرنامج آلاف الزيارات التفتيشية في مختلف مناطق المملكة، ضمن خطة تعتمد على التحليل الرقمي للبيانات والمؤشرات، بما يرفع كفاءة الاستهداف ويزيد من فاعلية الرقابة الميدانية، بعيدًا عن أسلوب الجولات العشوائية.
ويؤكد البرنامج الوطني أن آلية الرقابة تعتمد على تحليل الدلالات ومؤشرات الاشتباه وربط البيانات بين الجهات الحكومية، بما يسهم في توجيه الجولات إلى الأنشطة والمنشآت ذات المخاطر الأعلى، ورفع كفاءة اكتشاف المخالفات، بما يعزز حماية السوق ويحد من الممارسات المخالفة.
وتفرض المملكة عقوبات مشددة على مرتكبي جرائم التستر التجاري، تصل إلى السجن لمدة خمس سنوات، وغرامة مالية تصل إلى خمسة ملايين ريال، إضافة إلى مصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة بعد صدور الأحكام القضائية النهائية، وإغلاق المنشأة، وتصفية النشاط، وشطب السجل التجاري، والمنع من مزاولة النشاط، واستيفاء الزكاة والرسوم والضرائب، والتشهير بالمخالفين، فيما يُبعد غير السعودي بعد تنفيذ العقوبة ويُمنع من العودة للعمل في المملكة وفقًا للأنظمة.
وتأتي هذه الجهود ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية وشفافية، وتعزيز موثوقية بيئة الأعمال، وتمكين المنشآت النظامية من المنافسة العادلة، بما يرفع جاذبية السوق السعودية للاستثمار، ويحد من الممارسات التي تؤثر في كفاءة الاقتصاد الوطني واستدامة نموه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك