أعلنت المحكمة العليا الأميركية رفضها مساعي الرئيس دونالد ترامب لإلغاء حقّ المواطنة بالولادة؛ تلك التي حاول من خلالها حرمان الأطفال المولودين لآباء يقيمون بطريقة غير قانونية أو مؤقتة على أراضي الولايات المتحدة الأميركية من جنسية البلاد، وقضت بعدم دستورية أمره التنفيذي الذي ينسف الوضع القائم منذ أكثر من 155 عاماً.
واستندت المحكمة العليا، في قرارها الصادر اليوم الثلاثاء، إلى نصّ التعديل الرابع عشر من الدستور الأميركي الذي يؤكد أنّ" جميع الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة الأميركية أو المجنّسين بجنسيتها والخاضعين لسلطانها يُعَدّون من مواطني الولايات المتحدة الأميركية ومواطني الولاية التي يقيمون فيها".
كان ترامب قد استهدف، في الأمر التنفيذي الذي أصدره فور عودته إلى البيت الأبيض في العشرين من يناير/ كانون الثاني 2025، فئات عدّة، ولا سيّما زائري بلاده بهدف السياحة والصحافيين والحاصلين على تأشيرات للعمل في مؤسسات دولية، من قبيل الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وكذلك الأشخاص الذين يعملون على الأراضي الأميركية بصورة مؤقتة، وطلاب الجامعات، إلى جانب المقيمين من دون أوراق ثبوتية.
ويؤيّد الأميركيون، بمعظمهم، مبدأ منح المواطنة بالولادة، وقد كشف استطلاع للرأي أجراه" مركز أسوشييتد برس-نورك لأبحاث الشؤون العامة" أنّ ثلثَي الأميركيين يرون ضرورة منح الجنسية تلقائياً للأطفال المولودين على أراضي الولايات المتحدة الأميركية.
ويُعَدّ التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي تعديلاً تاريخياً اعتُمد ابتداءً من عام 1868، وأدّى إلى منح الجنسية الأميركية لجميع الأشخاص الذين وُلدوا أو جُنّسوا في الولايات المتحدة الأميركية، بمن فيهم الأميركيون السود الذين كانوا قد حصلوا على حريّتهم حديثاً آنذاك.
ويُلزم هذا التعديل كلّ الولايات بتوفير الحماية المتساوية لجميع الأفراد، بغضّ النظر عن لونهم أو جنسهم.
ونصّ أمر ترامب التنفيذي، الذي وقّعه في أوّل أيام ولايته الرئاسية الثانية، على إلزام الحكومة الفدرالية برفض الوثائق التي" تعترف بمواطنة الأطفال المولودين في الولايات المتحدة الأميركية بعد 18 فبراير/ شباط 2025"، في حال كانت الأم غير موثّقة أو موجودة في البلاد بإذن مؤقّت، شريطة ألا يكون الأب مواطناً أميركياً أو مقيماً دائماً قانونياً عند ولادة الطفل.
وشدّد ترامب على أنّ الأطفال المولودين في الولايات المتحدة الأميركية لأمهات مهاجرات من دون أوراق ثبوتية لن يُعامَلوا بوصفهم مواطنين أميركيين، كذلك يشمل القرار الأطفال المولودين لأمهات يُقمنَ في البلاد بصورة قانونية ولكن مؤقّتة، من مثيلات السائحات أو الطالبات الدوليات أو العاملات المؤقتات.
ودوّن رئيس المحكمة العليا الأميركية المحافظ جون روبرتس رأي الأغلبية الذي ينصّ على أنّ" التعديل الرابع عشر من الدستور يضمن الحصول التلقائي على الجنسية، تقريباً لجميع الأطفال الذين يولدون في داخل الأراضي الأميركية، بمن فيهم الذين يولدون لأبوَين من دون إقامة قانونية".
أضاف: " والمواطنة تعني، سواء في الماضي أو الحاضر، الحقّ في التمتّع بالحقوق والمشاركة بحرية في مجتمعنا السياسي"، وتابع أنّ واضعي التعديل الرابع عشر" وسّعوا نطاق هذا الوعد ليشمل كلّ شخص وُلد حرّاً على هذه الأرض، ونحن اليوم نفي بذلك الوعد".
ويأتي هذا القرار ليمثّل أكبر الضربات التي توجّهها المحكمة العليا الأميركية لأجندة ترامب في ولايته الرئاسية الثانية، إذ تُبطل ركيزة رئيسية من سياساته التي تستهدف تشديد إجراءات الهجرة.
وكانت أهمية هذه السياسة بالنسبة إلى ترامب قد دفعته إلى حضور جلسات المرافعة الشفهية في المحكمة العليا في شهر إبريل/ نيسان الماضي، في سابقة تاريخية لرئيس أميركي.
ولم تدخل سياسة ترامب القاضية بتقييد حقّ المواطنة بالولادة، أو الحصول على الجنسية الأميركية بمجرّد إبصار النور على أراضي هذه البلاد، حيّز التنفيذ على الإطلاق.
ويعود ذلك إلى الدعاوى القضائية التي حرّكتها ولايات يقودها حكّام ديمقراطيون، وكذلك منظمات تُعنى بشؤون الهجرة، وأمهات بمبادرات فردية، الأمر الذي دفع المحاكم إلى وقف تنفيذ القرار ودفع إدارة ترامب بالتالي إلى طلب رأي المحكمة العليا.
وبينما لم يعلّق ترامب، حتى لحظة كتابة هذا التقرير، على الحكم الصادر، قال رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون، في ردّ على سؤال خلال مؤتمر صحافي عقده اليوم، إنّه يشعر بـ" خيبة أمل كبيرة" من جرّاء قرار المحكمة العليا.
ووصف الحكم بأنّه وجهة نظر" نصية متحجّرة"، زاعماً أنّه سوف يؤدّي إلى تحديات خطرة في المستقبل، الأمر الذي سوف يتطلّب من الولايات المتحدة الأميركية إيجاد طريقة لمعالجتها.
وجاء رأي الأغلبية في المحكمة العليا الأميركية بستّة أصوات في مقابل ثلاثة، بعدما انضمّت القاضية إيمي كوني باريت المعيّنة من قبل ترامب شخصياً وكذلك رئيس المحكمة المحافظ جون روبرتس إلى القضاة الثلاثة المعيّنين من قبل رؤساء ديمقراطيين.
من جهته، كان القاضي بريت كافانو؛ المعيّن بدوره من قبل الرئيس الأميركي، قد اختلف مع رأي الأغلبية الذي دوّنه رئيس المحكمة، غير أنّه صوّت إلى جانبها لمصلحة منع تنفيذ أمر ترامب، استناداً إلى القانون.
وكانت المحكمة العليا الأميركية قد أيّدت، في حكم صادر في عام 1989، ضمان الحصول على الجنسية بالولادة، عندما قضت بأنّ طفلاً وُلد في سان فرانسيسكو هو مواطن أميركي، حتى وإن كان" والداه المهاجران من رعايا إمبراطورية الصين".
من جهتها، نقلت صحيفة نيويورك تايمز تصريحات من أحفاد الشخص المشار إليه، ويُدعى وونغ كيم آرك، الذي أرسى السابقة القانونية لحكم اليوم.
وقالت ساندرا وونغ: " إذا ولدت هنا فأنت تنتمي إلى هنا.
لقد حظينا بهذا الحقّ قبل 150 عاماً"، مضيفةً أنّ جدّها الأكبر دافع عن الصواب ولم يكن يسعى ليصير رمزاً.
بدوره، قال نورمان وونغ، شقيق ساندرا، إنّ ثمّة دروساً عدّة يمكن استخلاصها من إرث وونغ كيم آرك وكذلك من حكم اليوم، وهي وجوب أن يدافع جميع الأميركيين عن حقوقهم.
وتابع: " حقوقنا ليست امتيازات، ولا يمكن السماح للحكومة أو لأيّ شخص سلبنا هذه الحقوق".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك