ليست الوثائق مجرد أوراقٍ أفرج عنها الزمن، بل هي شهودٌ عادوا من غبار الأرشيف ليقولوا ما حاولت السياسة طمسه، وما اجتهدت الدعاية في تزويره.
وكلما رُفعت السرية عن وثيقة بريطانية أو غيرها، ازداد وضوح المشهد، واتسعت الهوة بين الحقيقة الفلسطينية والرواية التي سعت الحركة الصهيونية إلى فرضها على العالم.
إن النكبة لم تكن حادثة عابرة بدأت في الخامس عشر من مايو/ أيار عام 1948، بل كانت مشروعا متكاملا سبق ذلك بسنوات، خُطط له بعناية، واستند إلى جمع المعلومات، ورسم الخرائط، ودراسة تفاصيل الحياة الفلسطينية، وصولا إلى تنفيذ سياسة الاقتلاع والتهجير والتدمير الممنهج.
وما تكشفه الوثائق اليوم يعزز حقيقة أن الشعب الفلسطيني لم يكن غائبا عن أرضه، ولم يكن عاجزا عن الدفاع عنها، بل خاض معارك شرسة، وأظهر من الشجاعة والصمود ما يستحق أن يُروى للأجيال.
لقد كانت معارك كثيرة تميل لصالح المقاتلين الفلسطينيين، لكن اختلال موازين القوى، ونفاد الذخيرة، والتدخلات الخارجية، وتعقيدات المشهد العسكري والسياسي، كلها عوامل أسهمت في تغيير مسار الأحداث.
والتاريخ المنصف لا يختزل الهزيمة في شجاعة المقاتل، بل يقرأ شبكة الظروف التي أحاطت بها، ويضع المسؤوليات في مواضعها بعيدا عن التبسيط أو التعميم.
الأمم التي تنسى تاريخها تصبح فريسة سهلة للتزييف، أما الأمم التي تحفظ ذاكرتها، فإنها تمتلك القدرة على الدفاع عن حقها مهما طال الزمنولعل ما يعزز هذه القراءة أنها لم تعد مقتصرة على الرواية الفلسطينية، بل وجدت ما يدعمها في أعمال مؤرخين وباحثين بارزين، من بينهم وليد الخالدي، ورشيد الخالدي، ونور مصالحة، وبيني موريس، وإيلان بابيه، الذين أسهمت دراساتهم، رغم اختلاف منطلقاتهم واستنتاجاتهم في بعض القضايا، في توثيق أحداث النكبة، وإعادة قراءة الوثائق والأرشيفات المتعلقة بتلك المرحلة، بما يثري فهمها ويكشف كثيرا من تفاصيلها.
وتكشف الوقائع كذلك أن فلسطين قبل النكبة، لم تكن أرضا خاوية كما ادعت الدعاية الصهيونية، بل كانت وطنا نابضا بالحياة؛ مدنا مزدهرة، وصحفا، ومجلات، ومسارح، ودور سينما، وإذاعات، وموانئ، ومدارس، ومكتبات، وحراكا ثقافيا واقتصاديا، يشهد على مجتمع حيٍّ ومتجذر في أرضه.
ولذلك لم يكن استهداف الحجر أقل أهمية من استهداف البشر، فدُمِّرت القرى، وصودرت المكتبات، وسُرقت الذاكرة، في محاولة لطمس هوية المكان قبل إعادة تشكيله وفق رواية جديدة.
لقد أدرك المشروع الصهيوني، منذ وقت مبكر، أن السيطرة على الأرض لا تكتمل إلا بالسيطرة على السردية، وأن الاحتلال لا يكتفي بالحدود، بل يسعى إلى احتلال الوعي أيضا، لذلك لم يكن تدمير مئات القرى الفلسطينية مجرد عمل عسكري، وإنما كان محاولة لاقتلاع الشاهد المادي على وجود شعب عاش هنا، وبنى، وزرع، وأبدع، وترك بصمته في كل مدينة وقرية.
إن قراءة الوثائق ليست دعوة لإحياء الجراح بقدر ما هي دعوة لإحياء الحقيقة.
فالأمم التي تنسى تاريخها تصبح فريسة سهلة للتزييف، أما الأمم التي تحفظ ذاكرتها، فإنها تمتلك القدرة على الدفاع عن حقها مهما طال الزمن.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على استذكار النكبة، بل تمتد إلى توثيق الرواية الفلسطينية، وتعليمها للأجيال، والاستناد إلى المصادر التاريخية الموثقة في مواجهة كل محاولة لإنكارها أو تحريفها.
ستبقى فلسطين أكبر من كل رواية مصطنعة، وأصدق من كل دعاية، لأن الحقيقة لا تموت، ولأن الأرض التي أنجبت هذا الشعب قادرة دائما على إنجاب الشهود، وحفظ الذاكرة، وصناعة الأمل، حتى يأتي اليوم الذي يستعيد فيه التاريخ توازنه، ويمنح أصحابه حقهم الذي لا يسقط بالتقادم.
ننتظر ونرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك