فرقٌ كبيرٌ بين التفكير العلمي وما يقوم عليه الأدب؛ الأول يعتمد على الحقائق المادية المثبتة والمجرّبة، والثاني أساسه وبناؤه الخيال، غير أن خيوطاً واهنة يمكن أن توجد علاقة بين العالمين.
يقول جلال الدين الرومي: «ليس في العالم خيال دون حقيقة».
«الميّت» هو عنوان قصّة للمفكر والأديب الفرنسي جورج باتاي، لم ينشرها أثناء حياته، ربما بسبب فضائها الكابوسيّ والمشين.
يخبرنا مقدّم الرواية، وهو صديق الكاتب، أنه باع مخطوطها عندما كان محتاجاً إلى المال، ثم استردّها، ولم تظهر إلى النور إلا بعد سنتين من وفاته.
في ذلك اليوم الخريفي الغائم، كانت الزوجة تراقب جثمان زوجها، الذي فارق الحياة قبل قليل.
أسكرها فوحُ شجرةِ الزيزفون المزهرة في النافذة، وعنّ لها أن تخلع ملابسها وتتعرى.
راح الزوج يتأملها بعينين عاشقتين، من وراء الموت، هكذا تقرّر الرواية، وصار يشتهيها أكثر، والزوجة تحاول أن تبتسم، و»ثدياها يقفزان في المشهد أمام ناظريه».
كان القمر في تلك الليلة احتفالياً جداً، كأنما يخصّ الاثنين فقط، في قصة حبّهما الجديدة والغريبة.
نقرأ في سفر الملوك الثاني، الإصحاح الرابع (32 ـ 36)، ما يشبه قصّة باتاي: «ودخل أليشع البيت وإذا بالصبي ميّت ومضطجع على سريره.
فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما وصلّى إلى الربّ.
ثم صعد واضطجع فوق الصبي ووضع فمه على فمه وعينيه على عينيه ويديه على يديه وتمدّد عليه فسخن جسد الولد».
لكنّ ميّت باتاي لم تعد إليه الحياة، ويمضي المؤلف في سرد تفاصيل حياة الزوجة في الأيام القادمة، ربما بلغتها دفقة واحدة أو أكثر، من أجواء الفناء الذي حلّ في المنزل، فأخذ لبّها وتركها شبه مجنونة.
رواية باتاي تذكّرنا أيضاً بمعاشرة الزوج لامرأته الميّتة، محبّة وتوديعاً لها، بما يُعرف بجماع الوداع أو نكاح الوداع الأخير، الذي اختلف في تحليله وتحريمه فقهاء المسلمين.
نقرأ في كتاب «منح الجليل شرح مختصر خليل» لابن عليش، في الجزء التاسع صفحة 247: «فلا يُحدّ إن وَطِئَ زوجته أو أمَته بعد موتها وإن حرّم، نعم يؤدب».
ويذكر الإمام يحيى بن شرف النووي في «المجموع في شرف المهذب» قولاً لشيخ أئمة الشافعية الإمام أبو إسحاق الشيرازي، في وجوب غسل الجنابة بعد وطء الميتة «لأنه فرج آدمية فأشبه فرج الحيّة».
في العصر الراهن، لدينا فتوى للدكتور صبري عبد الرؤوف، أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، بتحليل نكاح الوداع مع الزوجة في بيتها، قبل دفنها.
قرار الإفتاء وما يتبعه من أحكام شرعية، دليلٌ على أنه ثمة جمهور يسأل ويستعلم، إن كان يحقّ له مزاولة الفعل وتعاطيه، وهذا يعكس أسلوب حياة فئة معيّنة في المجتمع، يمكن في حالة دراسته إلقاء الضوء على بعض المشكلات التي تؤخره عن ركب الحضارة.
لا يعدم القارئ أثراً من هذه الفتاوى (القديمة والحديثة) في رواية باتاي، الذي قلب الأمر عندما قامت المرأة بمعابثة زوجها الميّت.
الخطأ الشائع يصيرُ بمرور السنين صواباً.
لدينا ترجمتان لمذكرات دوستويفسكي عن الفرنسية، كلتاهما تحملان الثبت الذي صار عنواناً للمقال.
ويُخبرنا السيد إدريس الملياني، الذي نقل الكتاب عن الروسيّة، بأن العنوان الصحيح هو «مذكرات من بيت الميّت».
بدلاً من منزل الأموات، هناك ميت واحد وبيت واحد هو بيته، حيث قضى الروائي الروسي أربع سنوات مروّعة في سجن أومسك في سيبيريا، مع القتلة واللصوص ومدمني السرقة والرذيلة بأنواعها، وكتب: «أغلب السجناء، الأشرار منهم والطيّبين، متديّنون؛ فهم يصلّون ويصومون ويتوقون إلى رحمة الله، ويطلبون غفرانه… لقد وجد السجناء الأشرار الإيمان لأن الإيمان يظهر في ساعات الشقاء أقوى وضوحاً وأشدّ سطوعاً».
يقوم الدين هنا بدور (المطهر) للذين أدمنوا الشرّ والجريمة، يزيلون به آثار الرذيلة والفساد التي اتّسخت بها ضمائرهم وقلوبهم وأذهانهم.
في فصل آخر، يصف دوستويفسكي السجن بأنه «بيت الميت»، ويُعطينا ملخصاً لحياة المسجونين فيه: «القاتل يأكلُ وينام، يُحِبُّ مِثلَ العادَة.
ويُصَلي كلَّ ليْلةٍ منْ أجلِ خَلاصِه، وفي الصباح يستيقظ مبكراً لكي يحْفَظ الفَتاوى عنْ ظَهرِ قَلبٍ، وعند الضحى يقوم بفعل الشرّ ثانية، وفي الظهيرة يصلّي».
الخطيئة تلتئم بثبات مع الرذيلة وتتوحد هنا، حيث ينتقل بنو البشر بين أعمال الشرّ ومحاولة التطهير، في اليوم أو حتى في الساعة ذاتها، دون أن يؤثر هذا التخالف شيئاً في طبيعة وجوههم ودمائهم.
ليس هناك في السجن، أي في بيت الميت، معنى محدّد وفاصل بين الخير والشرّ، والعدل والظلم، والشجاعة والجُبن والتخاذل، وما إلى ذلك.
ظلّ الأمر يحيّر دوستويفسكي طوال صفحات كتابه، وتأتيه في المنام هلوسات مصدرها وحوش بصورة شياطين يعيشون معه، وأخيار بهيئة ملائكة، تتصارع في ما بينها، ليصحو ذات يوم وقد بلغ هذه النتيجة: «في هذا البيت يمكن للإنسان أن يتعلّم احتمال كلّ شيء».
تشترك الأديان جميعاً في الإيمان بقوى غيبية تكون لبعض الأفراد، فتأتي على أيديهم الخوارق.
والنص الذي اقتبسته من سفر الملوك، حيث تعود الحياة إلى الصّبيّ الميت، بعد أن يضطجع أليشع فوقه ويقوم بتقبيله، له أمثلة مشابهة في التراث الإسلامي واليهودي وغيرهما.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى 4/ 292: «إن الروح تبقى بعد مفارقة البدن، خلافاً لضلال المتكلمين… وإنها تُعادُ إلى البدن، وإن الميت يُسأل فيُنعّم أو يُعذّب».
وفي كتاب القبور لابن أبي الدنيا البغدادي الحنبلي (208 ـ 281 هجرية) نقرأ حديثاً منسوباً إلى كعب بن مالك أن «نسمة (روح) المؤمن طيرٌ يعلّقُ في شجر الجنّة».
كما أن الروح «خُلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان»، بتعبير الفقيه الحنبلي أبو الفرج بن الجوزي (592 ـ 510 هجرية).
وعلى هذا الاعتقاد، يشعر من يجامع امرأته المتوفاة بالتواصل معها، لأن روحها لا تزال حية.
في كلتا الحالتين، سواء أكانت المجامعة تتمّ مع الروحِ أم الجسد، فإن هذا الشأن معروف في الطبّ النفسي، ففي جميع بِقاع الأرض يوجد رجال شاذّون يقدمون على هذا الفِعل، وأثبت الطب الحديث أنهم مصابون بشذوذ جنسي يدعى «نيكروفيليا» لا بد من معالجته، لأن المريض يقوم أحياناً بقتل المرأة، من أجل أن يحظى بهذه اللذّة الشائنة.
الحديث عن الموت والموتى والعِشرة معهم عموماً، يكوّنان جزءاً مهمّاً من التراث الإسلامي، سواء في زيارة المقابر في ما يخص عامة الناس، أم أضرحة الأولياء والعلماء وأكابر رجال الدين، يُقصدون في سبيل التبرك والشفاعة أو طلباً للعلاج.
مرّة أخرى مع الفقيه ابن الجوزي: «أجمع السلف وتواترت الآثار عنهم بأن الميت يعرف بزيارة الحيّ له، ويستبشر به»، وهناك حديث نبوي ترويه أم المؤمنين: «ما من رجل يزور قبر أخيه المؤمن، فيجلس عنده إلا استأنسه حتى يقوم».
نعود إلى عبارة دوستويفسكي حول توقع أي فعل وأمر في بيت الميت، حيث يسود ظلام في العقل يمكن أن تقع فيه أية واقعة، دون أن يتمكن أحد من معرفة مآل ذلك.
في تلك الليلة، حلمت بطلة باتاي أنها كانت عطشى وتشرب من ماء غزير ومثلج، والماء ينبت من عينيها في الحال في شكل دموع.
كانت تدرك لماذا هي تبكي في الحلم، وعندما استيقظت في الصباح كانت مصابة بجنون حقيقي.
ليس هناك فعل في دنيا الهلوسة لم تقم به بطلة قصة باتاي، بعد تجربة العيش مع زوجها، من وراء الموت.
اسم الزوجة ماري، وإليكم عناوين بعض هذه الفصول: ماري تخرج عارية من المنزل.
ماري تنتظر خارج الفندق.
ماري تسقط ميّتة سكرى.
ماري يمصّها المهرّج.
ماري تقبّل صاحبة الفندق من فمها.
ماري تبول على الكونت… وهناك فظائع أخرى تقوم بها ماري لا مجال لذكرها بمقال في صحيفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك