عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، تأسست الأمم المتحدة استجابةً لفشل عصبة الأمم في منع اندلاع الحروب الكبرى، وجُعل مجلس الأمن الأداة الرئيسية لحفظ السلم والأمن الدوليين.
غير أن تصميم المجلس لم يقم على مبدأ المساواة الكاملة بين الدول، بل جاء انعكاساً لموازين القوى التي أفرزتها الحرب.
ولذلك مُنحت الولايات المتحدة وروسيا (خلفاً للاتحاد السوفييتي) والمملكة المتحدة وفرنسا والصين عضوية دائمة، إلى جانب حق النقض (الفيتو)، باعتباره آلية تضمن توافق القوى الكبرى وتمنع تحول خلافاتها إلى مواجهات تهدد الاستقرار العالمي.
وقد أسهم هذا الترتيب إلى حد كبير في تجنب صدام مباشر بين القوى العظمى خلال عقود الحرب الباردة وما بعدها، الأمر الذي منح النظام الدولي قدراً من الاستقرار النسبي.
إلا أن العالم شهد منذ ذلك الحين تحولات جذرية على المستويات السياسية والاقتصادية والديموغرافية، تمثلت في صعود قوى دولية جديدة وتزايد أدوار دول ومناطق لم تكن فاعلة عند تأسيس الأمم المتحدة.
ورغم هذه المتغيرات، ظل مجلس الأمن محتفظاً بالبنية ذاتها، التي وُضعت قبل أكثر من ثمانية عقود، ما أثار تساؤلات متزايدة حول مدى قدرته على تمثيل الواقع الدولي المعاصر والاستجابة لتحدياته المتجددة.
ومن هنا تبرز إشكالية الإصلاح بوضوح عند النظر إلى التجربة التاريخية في الممارسة العملية لحق النقض، فقد كشفت عن تحوّل ملحوظ في طبيعة هذا الامتياز القانوني ووظيفته السياسية، إذ إن استخدامه تجاوز في كثير من الأحيان هدفه الأصلي، ليتحول إلى أداة تُوظَّف لحماية المصالح الاستراتيجية للدول دائمة العضوية أو للدفاع عن حلفائها، حتى في الحالات التي تتعارض فيها تلك المصالح مع إرادة أغلبية المجتمع الدولي أو مع متطلبات العدالة الدولية.
وقد ترتب على ذلك تعطيل قرارات مصيرية، وانعكس على عدد من الأزمات الدولية الكبرى، حيث أدى استخدام الفيتو أو التهديد باستخدامه إلى تعطيل قرارات كان يُنظر إليها على أنها ضرورية لمعالجة نزاعات مسلحة أو كوارث إنسانية.
وشهدت الأزمة السورية مثالاً بارزاً على ذلك، إذ حال الانقسام بين القوى الكبرى، دون تمرير عدد من القرارات المتعلقة بمسارات التسوية والمساءلة.
كما برزت الإشكالية ذاتها في ملفات أخرى، من بينها القضية الفلسطينية والحرب في أوكرانيا، حيث كشفت الخلافات بين الأعضاء الدائمين حدود قدرة المجلس على اتخاذ مواقف موحدة في القضايا الأكثر حساسية.
أما من الناحية القانونية، فلا يثير استخدام الفيتو إشكالاً من حيث المشروعية الشكلية، إذ يستند إلى نصوص صريحة في ميثاق الأمم المتحدة تمنح هذا الحق، غير أن الإشكالية الحقيقية تكمن في التباين بين شرعية النص وغاياته؛ فحين يؤدي استعمال الفيتو إلى تعطيل التدابير الرامية إلى وقف الحروب أو حماية المدنيين أو مواجهة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي، يبرز تساؤل جوهري حول مدى انسجام هذه الممارسة مع المقاصد التي أُنشئت الأمم المتحدة لتحقيقها.
ومن هنا تصاعدت الدعوات القانونية والفقهية والدبلوماسية ومنظمات المجتمع الدولي المطالبة بإعادة النظر في آليات استخدام الفيتو أو تقييده في حالات بما يحقق التوازن بين مقتضيات السيادة السياسية ومتطلبات العدالة الدولية.
وبات إصلاح نظام الفيتو أحد أبرز التحديات المطروحة أمام المجتمع الدولي، في سعيه إلى بناء مجلس أمن أكثر عدالة وفاعلية وأكثر قدرة على الاستجابة لتحديات القرن الحادي والعشرين.
إصلاح مجلس الأمن لم يعد مطلباً سياسياً قابلاً للتأجيل أو إجراءً شكلياً لتحسين صورة النظام الدولي، بل أصبح ضرورة قانونية وأخلاقية تفرضها متغيرات العصركذلك يُشكّل غياب العدالة في التمثيل داخل مجلس الأمن معضلة أخرى، إذ ما زالت بنيته أسيرة موازين قوى منتصف القرن العشرين.
وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في القارة الافريقية التي تمثل ثقلاً سكانياً وسياسياً متنامياً، وتضم عشرات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، لكنها لا تمتلك أي مقعد دائم داخل المجلس.
كما أن أمريكا اللاتينية، رغم دورها المتزايد في الاقتصاد والسياسة الدوليين، ما زالت غائبة عن التمثيل الدائم.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، تواصل قوى دولية كبرى مثل ألمانيا واليابان والهند والبرازيل، المعروفة بمجموعة الأربع، المطالبة بإصلاح هيكل المجلس بما يتيح لها تمثيلاً دائماً يتناسب مع مساهماتها في الأمم المتحدة، فضلاً عن دورها المؤثر في إدارة القضايا الدولية.
غير أن جوهر القضية يتجاوز إعادة توزيع المقاعد، ليمس فلسفة الشرعية الدولية ذاتها: هل يُبقي القرار العالمي رهين ترتيبات تاريخية، أم تفرض مقتضيات العدالة والتمثيل المتوازن إعادة صياغة مؤسسات الحوكمة الدولية بما يعكس واقع القرن الحادي والعشرين ويضمن تمثيلاً أكثر إنصافاً للشعوب والدول في إدارة الشأن العالمي؟إن الدعوات إلى إصلاح الأمم المتحدة عبر تعديل ميثاقها تصطدم بعقبة قانونية كبرى؛ إذ تنص المادة (108) من ميثاق الأمم المتحدة على أن أي تعديل لا يدخل حيّز النفاذ إلا بعد اعتماده بأغلبية ثلثي أعضاء الجمعية العامة، ثم التصديق عليه وفق الإجراءات الدستورية لكل دولة، من قبل ثلثي الدول الأعضاء، بما في ذلك جميع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن.
وبذلك فإن أي تعديل يمس الامتيازات الممنوحة لهذه الدول، وفي مقدمتها حق النقض (الفيتو)، يظل عملياً رهيناً بتصديقها جميعاً، مما يجعل الإصلاح المؤسسي عبر تعديل الميثاق بالغ الصعوبة من الناحية القانونية والعملية.
ولهذا طُرحت مقترحات متعددة لتطوير مجلس الأمن وتعزيز شرعيته، أبرزها ما دعت إليه مجموعة الأربع (G4) من توسيع فئتي العضوية الدائمة وغير الدائمة، كما طالب الاتحاد الافريقي بتمثيل دائم لافريقيا إلى جانب زيادة تمثيلها غير الدائم، فيما نادت دول أخرى بالاكتفاء بزيادة عدد المقاعد غير الدائمة.
غير أن تضارب المصالح وتباين مواقف الدول الأعضاء وتمسك القوى الكبرى بامتيازاتها أبقى هذه المبادرات في دائرة المفاوضات دون حسم.
وفي موازاة ذلك، برزت مبادرات دولية عدة تهدف إلى الحد من الآثار السلبية لحق النقض، في مقدمتها المبادرة الفرنسية التي تدعو إلى التزام طوعي من الدول دائمة العضوية بالامتناع عن استخدام الفيتو في حالات الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والفظائع الجماعية، حفاظاً على الحد الأدنى من المصداقية الأخلاقية والفعالية القانونية للنظام الأممي.
وقد حظيت المبادرة بدعم واسع من عدد كبير من الدول والمنظمات الدولية.
وقد استندت جهود الإصلاح تلك إلى إرث قرار «الاتحاد من أجل السلام» الصادر عام 1950، والذي منح الجمعية العامة دوراً أكبر عندما يعجز مجلس الأمن عن أداء مسؤولياته بسبب الخلاف بين أعضائه الدائمين.
وقد شكّل هذا القرار سابقة مهمة سمحت للجمعية العامة بعقد دورات استثنائية طارئة وإصدار توصيات جماعية بشأن حفظ السلم والأمن الدوليين.
كما شهدت الجمعية العامة للأمم المتحدة تطوراً مؤسسياً مهماً آخر في اتجاه تعزيز المساءلة السياسية والرقابة الدولية، باعتماد آلية تلزم أي دولة تستخدم الفيتو بالمثول أمام الجمعية العامة وبيان المبررات القانونية والسياسية لقرارها.
وبذلك يغدو إصلاح مجلس الأمن ضرورة ملحة لإعادة بناء شرعية القرار الدولي على أسس أكثر عدالة وتمثيلاً وفاعلية، ورغم أن هذه الآليات لا تنتقص قانونياً من صلاحيات الدول الخمس الدائمة العضوية ولا تلغي حق النقض، فإنها تمثل محاولات مهمة للحد من آثار الجمود السياسي داخل مجلس الأمن وإبقاء القضايا الدولية الكبرى ضمن دائرة الاهتمام والتحرك الدولي.
وفي ختام هذا النقاش، يتبين أن إصلاح مجلس الأمن لم يعد مطلباً سياسياً قابلاً للتأجيل أو إجراءً شكلياً لتحسين صورة النظام الدولي، بل أصبح ضرورة قانونية وأخلاقية تفرضها متغيرات العصر للحفاظ على شرعية الأمم المتحدة وفاعلية مؤسساتها.
فاستمرار الفجوة بين الواقع الدولي وبنية المجلس يهدد مصداقية منظومة الأمن الجماعي ذاتها.
ويبقى التساؤل مطروحاً: هل ستبادر القوى الكبرى إلى إصلاح النظام القائم طوعاً، أم أن التاريخ لن يفتح باب التغيير إلا على وقع أزمة عالمية كبرى تعيد رسم موازين القوة وقواعد النظام الدولي من جديد؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك