حين سأل المذيع اللبناني الرئيس السوري أحمد الشرع عن السبب في أنه لم يستقبل ممثّلي الأطراف المواجهة لحزب الله، وجبهة الممانعة مثلما، أو (على عكس) ما كان يفعل الأسد حين يستقبل الأخيرين، قال، إن وضع لبنان لا يحتمل أن نزيده استقطاباً… وكان ذلك الموقف لافتاً في تقدّمه ودقّته، مع أنه لم يأخذ بالاعتبار أن حزب الله يمكن أن يقول، إنه كان «مضطراً» للالتزام بالأمر حين فعل ما فعله في سوريا، ما دام من كان يريده محارباً في سوريا هو «الوليّ الفقيه» وحرسه الثوري، أو إيران باختصار.
في المقابل، لم يأخذ الشرع بالحسبان حين أجاب على السؤال، إنه قد «يضطَر» بدوره للتدخل ولو بشكلٍ محسوب مسبقاً عبر الحدود، طبعاً إذا بقي الرئيس ترامب مصراً على ذلك الإجراء! وسوف يكون ذلك أكثر تعقيداً بكثير مع توقيع اتفاق الإطار اللبناني- الإسرائيلي- الأمريكي في واشنطن.
بالطبع، ما زالت أنباء رفض التدخّل تتكرّر، وما زال الموقف صحيحاً ومحترماً حتى من الذين يأخذون الكثير من الأمور على السلطة المؤقتة في دمشق، لكنّ الافتراض الذي ينبغي رؤيته والنظر فيه: ماذا لو بقي ترامب مصراً على طلبه الغريب، إذا ضاقت خياراته، وفي إطار عقليّته ومعادلاته؟ !ربّما مرّ أكثر من عام الآن، على عرض تقرير ناريّ لمراسل تلفزيون سوريا لمراسله الخاص من الحدود اللبنانية، وفي خلفيّته تبدو حاملات الدبابات والأسلحة الثقيلة في طريقها إلى الحدود اللبنانية، بعد أن اعتدى حزب الله على بعض جنود الجيش السوري الجديد وقتل ثلاثة منهم… قال المراسل بكلّ الحماسة الممكنة: إن هذه القوات سوف تلاحق حزب الله، وترسم الحدود بالنار! وأعادها ثلاثاً…يبدو من الضروري بمكان تظهير تأكيد الرئيس السوري الانتقالي على احترامه استقلال لبنان، وعلى أن لا يزيده التدخّل السوري «استقطاباً»ليس غريباً أن يخرج الآن من الزوايا المنبوذة للذاكرة ما أطلِق عليه يومها الاسم «إعلان بيروت- دمشق، إعلان- دمشق بيروت»… في استعارة جميلة و»هادفة» من إعلان دمشق الذي جمع المعارضة السورية، وكان قد صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2005، قبل الآخر بستة أشهر تقريبا، وبعد أكثر من عام على انتهاء الوجود السوري (العسكري) في لبنان في أبريل/نيسان 2006، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري بأربعين يوماً والعاصفة التي أثارها.
قام بعض السوريين (وقيل منهم الراحل ميشيل كيلو) وبعض اللبنانيين (وقيل منهم الراحل أيضاً حبيب صادق، المثقّف والسياسي الجنوبي الشيعي).
ووقّع عليه سياسيون ومثقّفون بارزون من البلدين.
وكالعادة في تلك الأيام، اعتقلت السلطة الأسدية عدداً من الموقّعين لبضع سنوات.
تجاوز نصّ ذلك البيان ما هو مأثور في العلاقات السورية اللبنانية منذ تأسيس لبنان الكبير، الذي لا تقبل فيه دمشق التنازل القاطع عن لبنان، أو عن ما تمّ إلحاقه – في موسم رسم الحدود في المنطقة – بلبنان الكبير، لجعله قابلاً للحياة المستقلة.
كان ذلك دائماً سيف ديموقليس السوري فوق رأس لبنان، حتى جاءت بدايات الأربعينيات مع استقلال البلدين وتمّ الاتّفاق على مقايضة الصمت لا التنازل القاطع بقبول لبنان، ألّا يكون مقرّاً ولا ممراً لتهديد سوريا والعرب.
تمّ تفصيل ذلك في البند الأول، الذي لم يكتفِ بالتعابير المطاطة المعتادة، ونصّ على ضرورة «احترام وتمتين سيادة واستقلال كل من سوريا ولبنان في إطار علاقات ممأسسة وشفافة تخدم مصالح الشعبين»، ودعا إلى» إرساء تلك العلاقات على أسس نابذة لمشاريع الإلحاق والاستتباع من جهة، والاستعلاء والتقوقع والقطيعة من جهة أخرى».
ومن ثم المطالبة «بضرورة الاعتراف السوري النهائي باستقلال لبنان ومغادرة كل تحفظ ومواربة في هذا المجال».
وفي البند الرابع طالب الموقّعون بضرورة «احترام وتنمية الحريات العامة والخاصة وحقوق الإنسان، وبناء دولة القانون والمؤسسات والانتخابات الحرة والنزيهة، وتداول السلطة ووحدة الدولة وبسط سلطتها على كامل ترابها الوطني.
ونؤكِّد على الأهمية الاستثنائية التي تكتسبها مسارات التحوُّل الديمقراطي في حماية الاستقلال وتعزيز قدرات شعبينا في معاركه الوطنية والقومية، بل نصرُّ على أنَّ سيادة نظم ديمقراطية في البلدين يشكل أفضل ضمانة لقيام ورسوخ علاقات متكافئة وسليمة بينهما.
لكننا نتمسَّك، في الآن ذاته، بحق الشعبين في أن يختارا، وبكامل الحرية، النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي يتلاءم وتطلعاتهما من دون أي إكراه».
وجسّد هذا البند تلك الفكرة التي قال بها لبنانيون من نوع سمير قصير منذ أيام ربيع دمشق، وهي ارتباط مسار الاستقلال والديمقراطية في البلدين جدلياً.
استنكر البيان أشكال التمييز والعنف التي تُمارس ضدّ العمال السوريين في لبنان، وطالب بحقوقهم ومحاكمة المعتدين عليهم؛ ومن جهة أخرى أكّد على تفهّم المشكلات التي يثيرها وجود العمالة السورية على أوضاع الفئات العاملة اللبنانية، وطالب بقوانين «تنظّم انتقال العمالة واستخدامها بين البلدين».
طالب السلطات السورية أيضاً وفوراً بـ» إطلاق سراح جميع المساجين والمعتقلين اللبنانيين في السجون والمعتقلات السورية، والكشف النهائي عن مصير المفقودين».
وفي البند العاشر بيّن البيان أن «العمل المشترك لتصحيح العلاقات بين البلدين وتحقيق استوائها على مقام الندية والثقة والاحترام المتبادل، يستدعي مراجعة مجمل الاتفاقات والمعاهدات الموقعة بين سلطات البلدين، اختتاماً لمرحلة منقضية وافتتاحاً لأخرى تقوم على التكافؤ والتعاون والمصالح المشتركة».
حالياً، على الرغم من أنّ التهديد لا يأتي كما يبدو من سوريا على استقلال لبنان، بل من إيران و»أذرعها»؛ إلّا أن الطرف الذي ساعد نظام الأسدين على التحكّم في استقلال لبنان والهيمنة عليه، هو نفسه الذي تستخدمه إيران لتهشيم فكرة استقلال لبنان، بل وديمقراطيّته وحريّاته واقتصاده، لذلك يبدو من الضروري بمكان تظهير تأكيد الرئيس السوري الانتقالي على احترامه استقلال لبنان، وعلى أن لا يزيده التدخّل السوري «استقطاباً».
لكنّنا لا نأمن عقل دونالد ترامب، ولا سلوكه حين يتملّكه موضوع معيّن.
هو الذي يقترح الآن على نتنياهو أن يدع سوريا «تهتمّ بأمر حزب الله» ويشير إلى إمكانية «أن يكون لسوريا دور في مواجهة حزب الله» لأنّ فيها شخصاً «سوف ينفذّ الأمر جيداً وهو قادر على ذلك».
لم يكن عبثاً أن رأى البعض في ذلك احتمالاً لأن يكون ذلك مقدّمة لإدخال السلطة السورية المؤقّتة والمشغولة، أو المنهمكة نظرياً بعملية الانتقال السياسي في»دائرة جهنمية».
وأكثر ما نخشاه في حالة دخول ترامب بقوة في اقتراحه هذا، وتحوّله إلى ضغوط وطلبات مباشرة، ألّا يبقى أحمد الشرع محافظاً على موقفه المتحفّظ على ذلك.
وسيقول لنا عندها إن نتنياهو نفسه ـ بمركزه الخاص القوي عند الأمريكيين – لم يكن قادراً على مقاومة طلبات دونالد ترامب.
صحيح أن نتنياهو قد تململ قليلاً حين أصبح وضعه الانتخابي خطيرا… لكن تلك الحسابات لا تسري على سلطة دمشق حتى إشعار آخر!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك