السؤال الكبير، ماذا ينتظر غزة بعد مرور قرابة 9 أشهر على إعلان خطة ترامب للسلام؟ في المرحلة الأولى تم تنفيذ صفقة تسليم الأسرى الإسرائيليين الأحياء والأموات مقابل عدد من الأسرى الفلسطينيين، وسحب القوات الإسرائيلية إلى الخط الأصفر، تمهيدا لانسحابها نهائيا، وتشكيل مجلس للسلام يرأسه ترامب شخصيا مدى الحياة، وصدور قرار من مجلس الأمن بتأييد الخطة التي تتضمن 20 نقطة، وتسمية إدارة تنفيذية للمجلس برئاسة نيكولاي ملادينوف المبعوث السابق للأمم المتحدة، وتسمية مجلس إداري فلسطيني لتولي مسؤولية إدارة القطاع، وإعلان ترامب أن مجموع تعهدات المساعدات لإعادة بناء غزة بلغت 7 مليارات دولار، وأن الولايات المتحدة ستقدم 10 مليارات إضافية.
كما أعلن ترامب أيضآ وجود استعداد لدى عدد من الدول العربية منها المغرب، والإسلامية منها إندونيسيا، الى جانب عدد من دول آسيا (منها كازاخستان) وافريقيا (منها إثيوبيا) وأوروبا (منها ألبانيا) وأمريكا اللاتينية (منها الأرجنتين) للمشاركة في تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وأن جنرالا أمريكيا سيتولى قيادة هذه القوة، لكن المرحلة الثانية من الصفقة توقفت تقريبا عند معضلة «نزع سلاح حماس»، وهي القنبلة التي أعدتها إسرائيل لكي تصفي به الصفقة بعد إتمام المرحلة الأولى، إسرائيل ليست عضوا في مجلس السلام، ولا تعتبر نفسها ملزمة بقراراته.
كذلك فإن الفلسطينيين ليسوا أعضاء فيه وليس لهم صوت، ولا يملكون آلية تسمح لهم بأن يكونوا فاعلين في اتخاذ قرارته أو الاحتجاج على وقف تنفيذها.
ولا يبدو أن الوسطاء العرب لديهم الجرأة الكافية للاحتجاج على تعطيل خطة الإعمار، أو التصدي بأي وسيلة من الوسائل لسلوك جيش الاحتلال الإسرائيلي.
السؤال بعد كل ذلك هو، هل ما يزال هناك أمل في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة، أم أن إسرائيل التي أعطت لجيش الاحتلال حرية الحركة المطلقة في السيطرة والتوسع هي التي ستقرر مصير الأرض والسكان والهوية في القطاع؟ نتنياهو بلا شك يريد أن يقدم لناخبيه في أكتوبر/ تشرين الأول دليل انتصاره في حروبه التي خاضها منذ تشكيل حكومته الحالية أواخر عام 2022.
وربما يكون تقنين الوجود الإسرائيلي في لبنان بمقتضى الاتفاق الأخير، وتثبيت وضع جيش الاحتلال في أكثر من 70 في المئة من مساحة قطاع غزة، هما الدليل على مصداقية وعوده لناخبيه وغسل عاره في حرب إيران، والفوز بتشكيل حكومة جديدة.
الوضع في قطاع غزة أصبح حرجا جدا مع حشر ما يقرب من مليونين من الفلسطينيين داخل أقل من ثلث مساحة القطاع ووضعهم تحت الحصار التام.
الأشهر المتبقية من العام الحالي سوف تقدم لنا مؤشرات كاشفة توضح ما إذا كانت استراتيجية إسرائيل في غزة ستمر بلا مقاومة أم أن هناك من سيوقفهاالواقع يخالف التوقعات: طبقا لخطة ترامب كانت التوقعات تذهب إلى تأسيس واقع جديد في قطاع غزة يخالف واقع ما قبل الصفقة، بدءا من وقف القتال، وصولا إلى تشكيل إدارة تنفيذية فلسطينية، ونشر قوة استقرار دولية على الأرض، ما يسمح ببدء جهود إزالة الركام الذي خلفته الحرب، والبدء في تشييد مواقع إنسانية للإيواء المؤقت (مخيمات إنسانية)، وتجهيز مواقع لبناء أحياء سكنية ومدن جديدة، وإنشاء مرافق البنية الأساسية المادية والاجتماعية اللازمة لمساندة الإعمار، والسماح للفلسطينيين بحرية الحركة وحرية العمل، وإطلاق كل المبادرات الحكومية وغير الحكومية لإعادة بناء أنظمة الرعاية الصحية والتعليمية والاجتماعية.
لكن ما جرى خلال الأشهر الماضية راح في الاتجاه المعاكس لهذه التوقعات.
وعلى الرغم من أن إسرائيل ليست عضوا في مجلس السلام، فإنها، بحكم وجودها العسكري والسياسي والإداري على الأرض أصبحت لها الكلمة الأخيرة.
بالقطع مسألة نزع سلاح حماس أصبحت قضية أساسية يستخدمها الإسرائيليون بمهارة لتعطيل خطة إحلال السلام وإعادة بناء غزة.
وعلى الرغم من وجود رصيد كاف من الخبرات الدولية في مسألة تحييد دور منظمات المقاومة المسلحة، ومفهوم وإجراءات وشروط نزع السلاح، كجزء من عملية بناء السلام، مثل تجارب أيرلندا الشمالية وجنوب افريقيا وغيرهما، فإن إسرائيل كانت ولا تزال تتعمد فرض مفهوم لنزع السلاح يستهدف تصفية حماس ماديا تصفية تامة، بما في ذلك قتل قياداتها وأعضائها.
ولم ينجح الوسطاء في إيجاد مخرج من التعنت الإسرائيلي، واستسلموا لأسلوب إسرائيل في المماطلة ومحاولة تحقيق انتصار وراء ستار صفقة وقف إطلاق النار لم تستطع تحقيقه بالحرب، وراء ستار وقف إطلاق النار قام جيش الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق المعابر كافة، والتحكم فيها من حيث دخول المساعدات الإنسانية ومعدات ومستلزمات الإعمار، ومن حيث خروج الحالات الإنسانية ذات الحاجة الماسة للعلاج.
كما فرض حظرا على نزول قوارب الصيد إلى البحر ووضع شواطئ غزة تحت رقابة عسكرية صارمة.
وبدلا من توسيع نطاق الإنسحاب بمقتضى صفقة وقف إطلاق النار جرى توسيع نطاق الاحتلال عشوائيا ليمتد خارج مساحة الخط الأصفر (53 في المئة من مساحة قطاع غزة)، إلى الخط البرتقالي (حوالي 65 في المئة).
لكن الخط البرتقالي تحرك إلى الداخل من الشمال والشرق والجنوب ليغطي نسبة 70 في المئة من أرض قطاع غزة، بناء على أوامر رئيس الوزراء الإسرائيلي، وبذلك فإن جيش الاحتلال لا يترك لحرية الحركة للفلسطينيين غير 30 في المئة، بعد أن سيطر على مساحة إضافية تقدر بنحو 17 في المئة زيادة على الـ53 في المئة التي كان يحتلها عند وقف إطلاق النار.
وحتى هذه المساحة لا تبقى مضمونة، لأن جيش الاحتلال يتمتع بحرية الحركة المطلقة بقوته الضاربة داخل غزة، وسيطرته على المعابر والطرق الرئيسية ومراكز المساعدات والإغاثة الإنسانية والبنية الأساسية والقدرة على القتل غير المسؤول من دون أي محاسبة.
الخسائر الفلسطينية: تشمل معطيات الوضع الحالي في قطاع غزة، الحصار التام من البر والبحر، ما يمنع توفير شروط الحياة الطبيعية وكسب الرزق للفلسطينيين، سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي رسميا على 70 في المئة من مساحة القطاع يفرض عليها ما يريد من إجراءات، ويعمل بوضوح على استئصال التأييد لحماس استئصالا كاملا بقتل أو اعتقال أعضائها والمتعاطفين معها وتشريد عائلاتهم وتدمير مساكنهم وأعمالهم وحرق مزروعاتهم.
كما يستعمل الجيش الإسرائيلي الذخيرة الحية في التدريبات داخل أي مكان من دون إنذار، ما يسبب فزعا بين السكان ويجعلهم لا يقربون هذه الأماكن خوفا من وجود قوات الاحتلال فيها.
وعلى الرغم من ترتيبات وقف إطلاق النار فإن إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية تذكر أن أكثر من ألف فلسطيني استشهدوا في غزة منذ وقف إطلاق النار حتى الأسبوع الثالث من الشهر الماضي، كما تعرض أكثر من 2300 فلسطيني للإصابة نتيجة القصف والاعتداءات الإسرائيلية.
كذلك يقوم جيش الاحتلال بالاعتداء على الفلسطينيين وحرق خيامهم في أماكن الإقامة العشوائية غير المجهزة، التي تفتقر إلى أبسط وسائل المعيشة والنظافة مثل المياه والمراحيض، كما يتم التضييق على تدفق المساعدات الإنسانية من المنبع.
وتحمل تقارير الأمم المتحدة التي تصدر أسبوعيا معلومات مفزعة عن الوضع الإنساني والصحي بين الفلسطينيين في غزة.
خطة التهجير: بعد أشهر قليلة من بداية حرب الإبادة أعدت الحكومة الإسرائيلية خطة لتهجير الفلسطينيين وتوطين اليهود في غزة.
وعرض نتنياهو الخطة على الحكومة في أوائل عام 2024 للموافقة عليها.
وتشمل الخطة إزالة الحدود القائمة مع قطاع غزة وجعله جزءا من منطقة التنمية الجديدة في جنوب إسرائيل، وهي المنطقة التي تأمل أن تصبح في العقود المقبلة مركز التفاعل وتبادل المصالح مع العالم.
وتنشط في غزة حاليا جماعات المستوطنين والوكالات العقارية لدراسة مشروعات عقارية وسياحية وتجارية وصناعية في غزة.
وإذا كنا لا نزال نذكر مشروع دونالد ترامب «ريفييرا الشرق الأوسط» فيجب ألا ننسى أن للرئيس الأمريكي مصلحة شخصية في الاستثمار في غزة، وربما تصبح المساحة التي لا يحتلها الجيش الاسرائيلي حتى الآن التي تعادل 30 في المئة كلها أو جزءا منها هي نصيب دونالد ترامب من صفقة غزة، يقيم عليها مشروعه الحلم «الريفييرا»! وينطوي مشروع الريفييرا على تهجير ما يصل إلى 90 في المئة من فلسطينيي غزة، وهو ما تعمل إسرائيل لتحقيقه من خلال عدة قنوات، من بينها تشجيع الأفراد والعائلات على الهجرة الطوعية إلى بلدان أخرى بترتيب مع الدول المضيفة.
في هذا السياق تعد إسرائيل حاليا صفقتين كبيرتين، واحدة مع دولة أرض الصومال التي اعترفت بها، وتعتبر أحد ذيولها في افريقيا بمساعدة دولة الإمارات العربية.
والثانية مع حكومة جنوب السودان، من أجل استضافة الآلاف من سكان غزة.
الأشهر المتبقية من العام الحالي سوف تقدم لنا مؤشرات كاشفة توضح ما إذا كانت استراتيجية إسرائيل في غزة ستمر بلا مقاومة أم أن هناك من سيوقفها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك