القاهرة ــ «القدس العربي»: على المسرح الكبير في دار الأوبرا المصرية أقيم العرض الراقص «شهرزاد» لفرقة الرقص المسرحي الحديث المصري، تصميم وإخراج وليد عوني، بمشاركة أوركسترا أوبرا القاهرة بقيادة محمد سعيد باشا.
يُعيد عوني تقديم (شهرزاد) بعد مرور أكثر من ربع قرن على تقديمها للمرّة الأولى عام 2000 في قلعة صلاح الدين في القاهرة، ثم توالت العروض في 2002، 2003 و2005.
ليصبح العرض من أهم أعمال ريبرتوار الفرقة.
ويلاحظ أن هذه العروض تتباين وما يُستجد من صراعات ومواقف وقضايا سياسية في الشرق الأوسط، من دون نسيان الفكرة الأساس التي استوحى منها عوني عرضه، وهي فكرة (السُلطة) ووهم امتلاكها، ومحاولات التحرر الدائمة التي تنتصر لها الحكاية في النهاية.
العرض أداء.
حبيبة سيد (شهرزاد)، نادر جمال (شهريار)، إبراهيم خالد (عصفور الجنة)، محمد سمير (علاء الدين)، باسم مجدي (جلال الدين الرومي)، كريم أسامة (علي بابا)، رشا الوكيل (مسرورة)، مينا ثابت (مسرور)، ملك سيف (الأميرة الهندية)، مصطفى نصر (الأمير الهندي)، فاطمة محمد (الأميرة الصينية)، عبد الله محمود (الأمير الصيني)، محمد هلال ومريم أسامة (شهريار وشهرزاد الحكاية).
تصميم إضاءة ياسر شعلان، ديكور أحمد زايد، ملابس هالة محمود، أكسسوار حسام أحمد.
يعتبر القصيد السيمفوني (شهرزاد) 1888 من أشهر مؤلفات الروسي نيكولاي ريمسكي كورساكوف (1844 ــ 1908)، والتي أصبحت بدورها هي المُعبّر الأساس عن حكايات ألف ليلة وليلة.
تناول كورساكوف الليالي العربية من خلال حوار بين شهرزاد وشهريار، عبر شكلين أو نمطين من الموسيقى، الأولى صاخبة وقوية، حيث استخدم آلات نحاسية وصوت الكمان القوي للتعبير عن قوة شهريار وسلطته المُطلقة ــ من وجهة نظره ــ يقابله صوت شهرزاد التي تحكي حكاياتها من خلال صوت الكمان الهادئ، كتوسلات في البداية، ثم حكايات متواترة، جعلت من شهريار أسيراً في النهاية، لينتصر الحب ويصبح هو صاحب السلطة المطلقة بديلاً عن سلطة الدم التي كان يعيش شهريار من خلالها.
يتجول وليد عوني بين حكايات الليالي وينتقي منها، بل يُعيد نسج بعضها كسياق مختلف ضمن الإطار الكبير للحكاية، بأن يُغيّر من الشخصيات ومدلولها، كأن تصبح هناك (مسرورة) مثلاً بجوار مسرور، كناية عن فكرة الشر، أو الأداة التي تساعد شهريار على تنفيذ قراراته، ثم حالة دائمة من الصراع بين حكايات العشاق ومصارعهن، قدراً تارة وحيلة تارة أخرى، حتى يتم في النهاية القضاء على مسرور ومسرورة، وتعود حالة من التناغم الدائم بين شهرزاد وشهريار، الذي يكف عن الدم، ويحيا من خلالها ــ شهرزاد وحكاياتها ــ أو بمعنى أدق يولد من جديد ويعيش في ظلها.
كذلك ينتقل عوني خلال عدة مجتمعات وثقافات شرقية متباينة، كلها أسهمت في اكتمال الحكايات.
العراق، الصين، الهند، بلاد فارس، تركيا، حتى إنه يضيف ويدمج شخصيات جعلها من شخصيات ألف ليلة كـ(جلال الدين الرومي) الشاهد على بعض الأحداث.
وهنا لم يتقيد عوني بفكرة الزمن الخطي، بما أنه ينتقي حكاياته، إضافة إلى أن بنية الليالي نفسها تنفي هذه الفكرة، فالواقع المرتبط تماماً بالخيال، والخيال الذي يتجاوز الواقع ويؤكده تنتفي مع فكرة الزمن، ومن الزمن المتجاوز هذا تتوالى الأماكن التي لا يحدها حدود.
وفي إحدى اللوحات الراقصة تتداخل الأزمنة في مشهد واحد، بأن يجلس شهريار وشهرزاد في عمق المسرح، وبينما تتجسد ما تحكيه أمامها من خلال أداء الراقصين للحكاية في منتصف المسرح، أما في المقدمة فهناك الشخصيات الفاعلة من الخارج، أو خيال شهريار كمتلقٍ للحكاية التي تتجسد أمامه، هنا نجد ثلاثة أزمنة.
زمن الحكاية وزمنها الواقعي وزمنها النفسي، وهو بدوره ما أعاد صياغة الأماكن المختلفة في مشهد واحد، وكأنك تعيش هذه الانتقالات السريعة في لحظة واحدة، تماماً وفق نهج الخيال الذي صاغ الليالي العربية.
ومن خلال فكرة التنوع والتباين هذه تتداخل أشكال من الموسيقى مع موسيقى كورساكوف الأساسية، مقطوعات مختلفة من موسيقى وأغنيات عربية، وكذلك إيقاعات وأغنيات تركية وفارسية، كمعادل موسيقي لتأصيل هويّة الليالي العربية، لا حسبما يراها الغرب، بل من خلال الأجواء التي نشأت من خلالها هذه الحكايات.
لم يكتف وليد عوني بحكايات ألف ليلة كما هي، بل حاول تأويلها لتواكب وتعبّر عن قضايا راهنة، لتصبح دراما العرض مزيجاً ما بين الأسطوري والتاريخي والذاكرة القريبة.
فالشخص الذي يحرّض في بداية العرض على قراءة كتاب ألف ليلة وليلة، ويدور على مجموعة من الجالسين في ما يُشبه الملهى الليلي، وفي ملابس أوروبية، وهو يُقلّب صفحات الكتاب على جانبي المسرح، بينما في العمق يدور شهريار ويجلس على كرسي عرشه، حتى يصل إليه الكتاب أخيراً والمدونة به حكايته وحكايات الليالي، هنا تدخل شخصية ترتدي خوذة قوات الأمم المتحدة، ومن خلال سلاح حديث ــ بديلاً عن سيف مسرور المعهود ــ وتقوم باغتيال الملك في حضرة السادة الأوروبيين المستمتعين بالعرض، وعلى الفور يتم تنصيب آخر يبتهج رواد الملهى لوجوده، وهنا يبدو شهريار جديد يحكم وفق هوى الغرب، ليتم البحث في النهاية عن شهريار الأصلي بعد تهذيبه من خلال شهرزاد وحكاياتها ليعم السلام في النهاية، بعد القضاء على كل رموز الشر، سواء في سلاح قوات التحالف أو سيف أعمى يعيش على هوى حاكم طاغية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك