تنصهر حسابات التكتيك بعراقة التاريخ عندما يلتقي المنتخب الجزائري نظيره السويسري على أرضية ملعب “بي سي بليس” بمدينة فانكوفر الكندية، لحساب دور الـ32 من نهائيات كأس العالم 2026، إذ تحمل هذه المواجهة الإقصائية، المقررة فجر الجمعة القادم في تمام الرابعة صباحا بتوقيت الجزائر، أبعادا تتجاوز مجرد العبور نحو الدور ثمن النهائي، لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة “الخضر” على التمرد ضد أرقام تاريخية استعصت عليهم لعقود.
يدخل “محاربو الصحراء” هذا المنعطف الحاسم بعد مسيرة دراماتيكية في المجموعة العاشرة، حصدوا خلالها أربع نقاط منحتهم تأهلا قيصريا ضمن أفضل المنتخبات المحتلة للمركز الثالث، ورغم الخسارة الافتتاحية القاسية أمام الأرجنتين بثلاثية نظيفة، استعاد الفريق توازنه سريعا بالفوز على الأردن بهدفين لهدف، قبل أن يختتم الدور الأول بملحمة كروية مثيرة أمام النمسا انتهت بالتعادل بثلاثة أهداف لمثلها، وهي المباراة التي شهدت تسجيل القائد رياض محرز هدفا تاريخيا في الأنفاس الأخيرة جاء بعد سلسلة قياسية بلغت 110 تمريرات متتالية، لتمنح الجزائر تأهلا مستحقا تلازم فيه الكبرياء الرياضي مع الإصرار.
وتبرز “العقدة الأوروبية” كعنوان عريض يهيمن على أجواء هذه الموقعة، حيث يبحث المنتخب الجزائري عن فوز طال انتظاره على منتخبات القارة العجوز في المحفل العالمي، وتشير الإحصائيات إلى عجز الجزائر عن تذوق طعم الانتصار أمام الأوروبيين في آخر تسع مواجهات مونديالية، مكتفية بأربعة تعادلات مقابل خمس هزائم، ويعود آخر انتصار للكرة الجزائرية على منتخب أوروبي إلى المونديال التاريخي عام 1982، عندما صعق “الخضر” منتخب ألمانيا الغربية بنتيجة (2-1)، وتأتي هذه المواجهة لتضع الجيل الحالي أمام مسؤولية فض هذا الاشتباك التاريخي.
وفي المقابل، يواجه المنتخب السويسري عقدته الخاصة المتمثلة في العجز عن تجاوز الأدوار الإقصائية للمونديال في آخر سبع محاولات متتالية، مما يضفي على اللقاء صبغة صراع نفسي وتاريخي متبادل، وما يزيد من خصوصية هذه القمة، هي الحسابات التكتيكية المرتبطة بمدرب المنتخب الجزائري، فلاديمير بيتكوفيتش، الذي يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع ماضيه، حيث يقود “الخضر” ضد المدرسة التي هندس تفاصيلها وأشرف على إدارتها الفنية لسبع سنوات كاملة، هذه المعرفة العميقة بخصائص الكرة السويسرية، التي تأهلت كمتصدرة لمجموعتها دون خسارة، قد تُشكل المفتاح التكتيكي لفك الشفرة الدفاعية للمنافس، حيث ستكون الموقعة بمثابة اختبار للنضج الكروي الجزائري، فهل ينجح المحاربون في تطويع التاريخ وإعادة كتابة سطر جديد بمداد العزيمة، أم ستظل السطوة الأوروبية سدا منيعا أمام طموحاتهم المونديالية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك