تتواصل في الدوحة الاتصالات المرتبطة بتنفيذ مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، مع وجود المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وإجرائهما لقاءات مع الوسطاء القطريين، في وقت أكدت فيه الدوحة عدم وجود اجتماعات مباشرة أو رفيعة المستوى بين الوفدين الأمريكي والإيراني.
وبينما تجري المشاورات عبر المسارات الفنية والوساطة القطرية، تتصدر ملفات الأصول الإيرانية المجمدة، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، وآليات تنفيذ بنود المذكرة، جدول الأعمال، وسط استمرار الحذر من هشاشة التهدئة بعد الضربات المتبادلة التي شهدتها الأيام الماضية.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري أن المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وصلا إلى الدوحة لإجراء مشاورات مع الوسطاء بشأن عدد من الملفات الإقليمية، من بينها المفاوضات مع إيران، موضحاً أنه لا توجد اجتماعات مباشرة أو رفيعة المستوى مقررة بين الوفدين الأمريكي والإيراني في الوقت الراهن.
وأضاف الأنصاري أن المرحلة الحالية تركز على اجتماعات فنية تتناول عدداً من الملفات، بينها الأمن الإقليمي، والبرنامج النووي، والجوانب الاقتصادية، على أن يُنظر لاحقاً في إمكان الانتقال إلى مستويات تفاوضية أعلى، وفق ما نقلته وكالتا «رويترز» و«فرانس برس».
ومن الجانب الإيراني، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي أن وفداً فنياً إيرانياً سيعقد في الدوحة اليوم محادثات مع الجانب القطري في إطار متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة مع الولايات المتحدة، مؤكداً، بحسب «رويترز»، أنه لا توجد خطط لعقد اجتماعات مع الجانب الأمريكي خلال الأيام المقبلة.
وأوضح بقائي أن ملف الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة سيكون من أبرز الموضوعات التي سيناقشها الوفد الإيراني مع الوسطاء القطريين، مشيراً إلى أن إجراءات الإفراج عن تلك الأموال «جارية».
وفي المقابل، أكد الأنصاري أن الأموال الإيرانية المجمدة لدى قطر، والبالغة ستة مليارات دولار، لم تحول إلى طهران حتى الآن، موضحاً أن الدوحة لا تملك هذه الأموال، وإنما تديرها بصفتها وسيطاً مالياً بموجب اتفاق عام 2023، وأنها مخصصة لشراء السلع الإنسانية، وأن أي تحويل مستقبلي يبقى رهناً باتفاق الطرفين وتقدم المفاوضات.
وتأتي هذه التحركات بعد أيام من تجدد التوتر العسكري بين واشنطن وطهران، إذ تبادلتا خلال الأيام الماضية الضربات والاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار، بعدما استهدفت طهران سفن تجارية في محيط مضيق هرمز، وردت واشنطن بضربات استهدفت مواقع عسكرية داخل إيران، فيما اعتدت طهران على مواقع في الكويت والبحرين.
وكان الجانبان قد وقعا في 17 يونيو الماضي مذكرة تفاهم، بوساطة قادتها باكستان وقطر، تنص على وقف الأعمال القتالية وبدء مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال مهلة ستين يوماً، يشمل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وأمن الملاحة، وعدداً من الملفات الإقليمية.
وفي هذا السياق، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن اجتماع الدوحة «قد يكون مهماً، وقد لا يكون»، مضيفاً أن نتائج الاتصالات ستتوقف على ما ستسفر عنه المباحثات الجارية، وفق ما نقلته «رويترز».
وفي موازاة ذلك، يواصل مضيق هرمز فرض نفسه باعتباره العقدة الأكثر حساسية في المفاوضات.
وقال بقائي إن إيران «ستفعل كل ما يلزم لحماية مصالحها» في المضيق، مؤكداً تمسك بلاده بحقها في إدارة حركة الملاحة فيه.
في المقابل، شدد الأنصاري على أن قطر تنسق مع سلطنة عُمان لضمان العبور الآمن للسفن، مؤكداً أن حرية الملاحة تمثل أولوية لجميع دول الخليج، وكشف أن الدوحة استخدمت خلال الأيام الماضية خط اتصال مباشراً لخفض التصعيد واحتواء المواجهات التي شهدها المضيق.
وتعكس التطورات الأخيرة حجم التعقيد المحيط بملف مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية.
ورفض نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي المقترح الذي طرحه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن مشاركة دولية في عمليات إزالة الألغام من مضيق هرمز، مؤكداً أن مسؤولية إزالة الألغام تقع حصراً على إيران، ومحذراً من أن أي تدخل خارجي من شأنه تعقيد الأوضاع، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية.
ورغم استمرار الخلافات السياسية، بدأت مؤشرات أولية على تحسن حركة الملاحة.
فقد أظهرت بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن، نقلتها «بلومبيرغ»، دخول عدد من ناقلات النفط العملاقة إلى الخليج وارتفاع حركة العبور تدريجياً مقارنة بالأيام التي أعقبت الهجمات الأخيرة.
في حين غادرت معظم السفن التجارية الكورية الجنوبية المنطقة الخطرة، بحسب السلطات في سيؤل، في مؤشر على عودة تدريجية للثقة، وإن كانت حركة الملاحة لا تزال دون مستوياتها الطبيعية التي سبقت اندلاع الحرب، وفق ما أشارت «رويترز».
إلا أن تحسن حركة الملاحة لم يبدد المخاوف الاقتصادية.
فقد حذر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد» من أن إعادة فتح مضيق هرمز قد تخفف الضغوط عن أسواق الطاقة، لكنها لن تنهي سريعاً تداعيات الاضطرابات على الاقتصادات الهشة، مشيراً إلى أن ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة وتكاليف النقل قد يستمر في التأثير في أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد لفترة أطول.
وأضاف «الأونكتاد» أن ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة خمسة في المئة قد يزيد بصورة ملموسة مخاطر سوء التغذية والهزال لدى الأطفال في الدول الأكثر فقراً، داعياً إلى توفير دعم دولي للدول الأكثر عرضة لصدمات أسعار الطاقة والغذاء.
من جانبها، قالت شركة «شل» في تقريرها السنوي إن اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز قد تؤدي إلى توقف نمو تجارة الغاز الطبيعي المسال خلال العام الحالي إذا استمرت آثار الأزمة، بعد تأثر نحو 20 في المئة من الإمدادات العالمية خلال فترة الصراع.
وفي المقابل، توقعت الشركة استئناف النمو اعتباراً من عام 2027، مع استمرار ارتفاع الطلب العالمي، ولا سيما في آسيا، مرجحة أن يزيد الطلب على الغاز الطبيعي المسال بنحو 65 في المئة بحلول عام 2050.
وتواصلت الاتصالات الإقليمية والدولية دعماً للمسار التفاوضي.
فقد أعلنت وزارة الخارجية المصرية أن وزير الخارجية بدر عبد العاطي بحث مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مستجدات المفاوضات الأمريكية الإيرانية.
حيث أكد الجانبان أهمية البناء على مذكرة التفاهم بما يقود إلى ترتيبات أكثر استدامة تعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، وتضمن حرية الملاحة وفق قواعد القانون الدولي.
وفي بكين، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال لقائه نظيره السعودي، إلى الحفاظ على زخم المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً، بحسب وكالة «شينخوا»، أن «الحوار أفضل من القتال، والتفاوض أفضل من المواجهة»، مشدداً على استعداد بلاده للعمل مع الأطراف الإقليمية لدعم الاستقرار.
كما اعتبرت وزارة الخارجية الألمانية أن اتفاق واشنطن وطهران على وقف الهجمات المتبادلة ومواصلة المحادثات يمثل فرصة ينبغي استثمارها دبلوماسياً، مؤكدة ضرورة التوصل إلى ترتيبات تضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب معالجة الملف النووي الإيراني.
وبذلك، تبدو المفاوضات أمام مرحلة جديدة يتداخل فيها المسار السياسي مع الاعتبارات الأمنية والاقتصادية.
فبينما تستمر الاجتماعات الفنية في الدوحة، سيظل الانتقال إلى مفاوضات سياسية مباشرة مرهوناً بمدى قدرة الأطراف على تثبيت التهدئة، ومعالجة القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها أمن الملاحة في مضيق هرمز، والبرنامج النووي، بما يمهد للتوصل إلى اتفاق نهائي أكثر استدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك