تحت شعار “عملية عسكرية سريعة ونظيفة”، شنت الولايات المتحدة الأمريكية بالتضامن مع إسرائيل هجوماً عسكرياً على إيران، معلنةً أن الهدف هو كبح نشاط طهران المزعزع للاستقرار وحرمانها من امتلاك السلاح النووي، وتغيير نظامها السياسي، تأميناً للتفوق الإسرائيلي المطلق.
غير أن الاستراتيجية الأمريكية الكبرى (Grand Strategy) تخفي أبعاداً أعمق؛ تتجه مباشرة صوب السيطرة على النفط الإيراني، والممرات البحرية الحيوية، وصولاً إلى إحكام الهيمنة الأمريكية المطلقة على منطقة الشرق الأوسط.
ميدانياً، صبت واشنطن وتل أبيب جحيماً هائلاً غير مسبوق على طهران، لكن الرياح لم تسِر كما اشتهت سفن واشنطن؛ إذ نجحت إيران في امتصاص الصدمة العسكرية رغم قسوتها، وتحول صمودها إلى مقاومة عنيفة فاجأت المخططين.
ثم عززت طهران دفاعها بإشهار كرتها الرابح في وجه العالم: ورقة “إغلاق مضيق هرمز”، التي وُصفت بأنها “قنبلة إيران النووية” كسلاح ردع استراتيجي حاسم أربك الحسابات.
أدى ذلك إلى محاولات مستميتة من أمريكا لبلوغ أي من أهدافها دون جدوى، لينسد الأفق ويجمع قطاع واسع من المحللين على أن أمريكا تورطت وباتت قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة.
ورغم ذلك، تصر إدارة الرئيس ترامب بأسلوبها المثير للجدل على بلوغ غاياتها بأي ثمن، وسط تهديدات حقيقية بانفراط عقد جبهتها الداخلية.
أمام هذا الانسداد، كان لا بد من الانتقال إلى “خطة بديلة”؛ حيث تحول الجهد عسكرياً وسياسياً إلى تكتيك “تفكيك عناصر القوة الإيرانية” رويداً رويداً عبر عمل ثنائي منسق ومكثف مع إسرائيل، قام على مسارين أساسيين:الأول: تحييد جبهة لبنان: عبر توظيف التشظي والانقسام في الداخل اللبناني لنزع سلاح حزب الله وتحييده.
قادت واشنطن محادثات ماراثونية أفضت إلى توقيع اتفاق إطاري بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل؛ وهو اتفاق وُقِّع تحت النار بالتزامن مع هجوم بري إسرائيلي واسع على لبنان، صحبه دمار هائل ونزوح وانتهاكات جسيمة، وسط اعتراضات ومقاومة قوية من حزب الله.
الثاني: انتزاع ورقة مضيق هرمز: عبر توظيف الغضب الخليجي جراء انتهاك الصواريخ الإيرانية لسيادتها وتضرر اقتصادات المنطقة من إغلاق المضيق، حيث جرى الضغط على سلطنة عمان عبر منظومة مجلس التعاون الخليجي لدفعها نحو الاصطفاف ضد النفوذ الإيراني ومحاولة فتح مسارات جديدة للسفن داخل المياه الإقليمية العمانية.
ورغم هذه الضغوط، ما زالت إيران تبدي تحدياً واضحاً لإفشال هذا المخطط.
اليوم، تبدو الحرب مفتوحة بلا أفق سياسي، سيما أن الاندفاع الأمريكي بدأ يصطدم بـ “خطوط حمراء” دولية جديدة.
فبكين التي سكتت سابقاً وصبرت على خسارة نفط فنزويلا ونفط إيران منخفض السعر، بدت كمن كان ينتظر سانحة لزيادة الضغط على واشنطن.
ولم يبخل الرئيس ترامب عليها بإتاحة هذه السانحة؛ إذ لم يكتفِ بالحصار الخانق على كوبا، بل راح يصرح ويغرد بأنه “يحب كوبا” تارة، وتارة أخرى يغطي خارطتها بالعلم الأمريكي عبر منصته “تروث سوشيال”.
هنا، التقطت الصين الحذرة القفاز لبدء معركة انتزاع القطبية الواحدة، أو على الأقل الوصول إلى عالم متعدد الأقطاب.
وبمظهر من فقد صبره الاستراتيجي، فاجأت بكين العالم لأول مرة بتصريحات نارية تندد بالاستخدام غير القانوني للقوة وتطالب واشنطن برفع الحصار “فوراً” عن كوبا، معلنة وقوفها الثابت معها، ومستبدلةً دبلوماسيتها التقليدية بلغة الردع المباشر.
وهنا يبرز تساؤل مهم حول التوقيت؛ إذ تشير التحليلات إلى أن الصين ربما تحركت بناءً على معلومات استخباراتية دقيقة تفيد بمدى الإنهاك الشديد الذي يعاني منه الجيش الأمريكي جراء النقص الحاد في الذخائر والعتاد، بالتوازي مع أزمات الداخل الأمريكي المتمثلة في التضخم المتصاعد والانقسامات السياسية الحادة جراء الحروب المستمرة.
هذه المعطيات أكدت لبكين أن واشنطن صارت في وضع مأزوم قد يرغمها على الجلوس إلى طاولة التفاوض على معادلة وتوازنات تعدد القطبية.
لذا، جاء هذا الموقف الصيني الصارم عبر بوابة كوبا ليرسخ رسالة ردع تتجاوز حدود الكاريبي؛ مفادها أن سياسة الخنق لن تبقى شأناً أمريكياً حصرياً، وتلوّح بمعادلة “هذه بتلك” (كوبا وإيران مقابل تايوان وبحر الصين الجنوبي)، ولتمهد الطريق لبناء جدار صد دولي قد يضم روسيا وكوريا الشمالية، وربما يوقظ تكتل “بريكس” الذي كان مرشحا لإعادة رسم موازين الصراع الاستراتيجي في العالم بأسره.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك