عمان- من المنتظر أن تشهد العاصمة القطرية الدوحة اليوم محطة جديدة من المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن، في ظل بحث آليات تنفيذ اتفاق مؤقت يهدف إلى إدارة التوترات المتصاعدة بين الجانبين وتخفيف حدة التصعيد في عدد من الملفات الحساسة.
اضافة اعلانوتأتي هذه الجولة في وقت لا تزال فيه العلاقات الثنائية محكومة بحالة من الحذر المتبادل، وسط غياب اختراقات سياسية كبرى حتى الآن.
وتكتسب هذه المباحثات أهمية خاصة لكونها تتركز على الجوانب التطبيقية أكثر من كونها مفاوضات شاملة، حيث يتم التركيز على ملفات محددة مثل التفاهمات التقنية والاقتصادية وآليات ضبط بعض نقاط التوتر الإقليمي.
ويعكس ذلك توجهاً نحو إدارة الخلافات بدل حلّها بشكل جذري في المرحلة الراهنة، ما يفتح الباب أمام تفاهمات محدودة لكنها قابلة للتطبيق.
وفي ظل هذا المشهد، تتعدد السيناريوهات المحتملة لنتائج الاجتماع بين نجاح في تثبيت تفاهمات مؤقتة تساهم في تهدئة التوتر أو تعثر جزئي يعيد المفاوضات إلى نقطة المراوحة، وصولاً إلى احتمال تصعيد محدود يعيد خلط الأوراق من جديد.
تعليقاً على ذلك، قال المحلل السياسي والخبير الإستراتيجي الدكتور منذر الحوارات، إن اللقاءات الجارية في الدوحة بين الولايات المتحدة وإيران تحمل طابعاً تقنياً أكثر من كونها مفاوضات سياسية قادرة على إحداث اختراق كبير في العلاقة بين الطرفين.
وأكد الحوارات أن إيران تنفي أساساً وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، وتؤكد أن ما يجري هو استكمال لمتابعة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم ولذلك فهي لا تمنح هذه الاجتماعات صفة المفاوضات السياسية الشاملة.
وأشار إلى أن أحد أبرز الملفات المطروحة على جدول الأعمال يتمثل في قضية الأموال الإيرانية المجمدة والتي تشكل أولوية بالنسبة لطهران، لافتاً إلى أن قطر تعد إحدى القنوات المحتملة للإفراج عن جزء من هذه الأموال، وفي مقدمتها نحو ستة مليارات دولار.
وأضاف أن الملف الآخر الأكثر حساسية يتعلق بالنقاش الدائر حول مضيق هرمز، عبر قناة اتصال أميركية مع الحرس الثوري الإيراني، معتبراً أن قبول واشنطن بالتواصل مع الحرس الثوري بشأن أمن المضيق يحمل دلالات مهمة، وقد ينعكس على مستقبل إدارة هذا الممر البحري الحيوي.
وبيّن الحوارات أن التفاهمات التي قد تنتج عن هذه الاتصالات يمكن أن تقود إلى ترتيبات تقنية تسهم في تثبيت الهدنة، من خلال خفض إيران مستوى الهجمات مقابل التوصل إلى آلية تتيح لها الاستفادة من أموالها المجمدة.
وأكد أن مثل هذه التفاهمات لا تعني التوصل إلى تسوية نهائية، لأن احتمالات التعثر لا تزال قائمة.
وأوضح الحوارات أن واشنطن تسعى إلى تنفيذ بنود التفاهم بسرعة، بينما تتعامل إيران مع كل بند بحذر شديد وتسعى إلى التدرج في التنفيذ، وهو ما يخلق تبايناً في إيقاع التفاوض ويزيد من فرص تعثره، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة انهياره.
وأشار إلى أن الطرفين قد يلجآن إلى استخدام أدوات الضغط بالتوازي مع استمرار المفاوضات، موضحاً أن إيران قد تعمد إلى تنفيذ تحركات بحرية محدودة في مضيق هرمز أو تصعيد في الساحات الإقليمية، في حين يمكن للولايات المتحدة مواصلة تنفيذ ضربات عسكرية محدودة أو تشديد الضغوط الاقتصادية مع الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة، بما يسمح باستمرار التفاوض رغم التصعيد.
وشدد الحوارات على أن الوصول إلى اختراق سياسي شامل لا يبدو قريباً، نظراً إلى تشعب الملفات الخلافية بين الجانبين، وفي مقدمتها مضيق هرمز ولبنان والبرنامج النووي والأموال الإيرانية المجمدة وهي ملفات معقدة تحتاج إلى وقت طويل قبل التوصل إلى حلول نهائية بشأنها.
واعتبر أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في إدارة الطرفين للمفاوضات وفق إيقاع مدروس، بحيث يستخدم كل منهما أوراق الضغط التي يمتلكها بالتوازي مع استمرار الحوار، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والأمنية مع الحفاظ على مستوى منخفض من التصعيد يمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة.
بدوره، قال الباحث والمختص بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور إن المشهد المرتبط بالمفاوضات الإيرانية الأميركية لا يزال يكتنفه قدر كبير من عدم اليقين، مشيراً إلى أن جميع السيناريوهات لا تزال مطروحة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة بشأن المسار الذي ستنتهي إليه هذه المفاوضات.
واعتبر منصور أن الرهان الإسرائيلي لا يزال قائماً على فشل المفاوضات، معتبراً أن الإطار الذي تجري ضمنه لا يزال فضفاضاً، كما أن الوقائع الميدانية لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً أمام استمرار الجهود الدبلوماسية خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن محاولات التفاوض ستتواصل بل قد تشهد زخماً أكبر، إلا أن نجاحها لن يكون مرتبطاً فقط بما تبديه إيران من مرونة وإنما أيضاً بقدرة الطرفين على منع وصول المفاوضات إلى نقطة الانهيار أو الانفجار، بما يتيح الحفاظ على قنوات الحوار قائمة.
وأشار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه في الوقت الحالي تحديات متعددة، الأمر الذي يجعله غير متعجل للعودة إلى الخيار العسكري بل إن هذا الخيار يبدو، في الوقت الحالي، خارج أولويات الإدارة الأميركية.
واستدرك منصور بأن استمرار التعثر وإطالة أمد المفاوضات أو الفشل في التوصل إلى اتفاق، قد يعيد الخيار العسكري إلى الواجهة، رغم أنه يبقى السيناريو الأكثر بعداً في المرحلة الحالية، موضحاً أن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة للبحث عن بدائل إذا وصلت العملية التفاوضية إلى طريق مسدود.
ورجح أن تستمر المفاوضات خلال الفترة المقبلة مع تحقيق تقدم تدريجي في بعض الملفات، من خلال اتخاذ خطوات لبناء الثقة بين الطرفين، والعمل على معالجة القضايا الخلافية بصورة متدرجة وصولاً إلى تهيئة أرضية مشتركة تسمح بالانتقال إلى الملفات الأكثر حساسية وعندها فقط يمكن استشراف الاتجاه النهائي الذي ستسلكه المفاوضات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك