ثلاثة مصائر لا يكاد أحدها يمسّ الآخر؛ مهاجر يفقد ذاكرته في لندن، وجثمان شاب سوري لا يجد من يواريه الثرى، ولاجئة احترقت داخل المؤسسة التي كان يُفترض أن تؤويها.
في المسافة بين هذه الحكايات المتقاطعة يضع الروائي المصري شادي لويس سؤاله عن مصدر العنف.
ذلك العنف الذي لا يأتي من الأعلى وحده، ولا من دولة قمعية أو أغلبية بيضاء، بل من دولة الرفاه نفسها التي نتطلع إليها في بلادنا، ثم يمارسها اللاجئون والمهاجرون بعضهم على بعض.
هذه مادة روايته" على خط غرينتش" (دار العين)، التي نالت ترجمتها الإنجليزية جائزة" جيمس تيت بلاك" البريطانية أخيرا.
list 1 of 2مهندس المجاز والهوية.
خليل الشيخ يفكك" سردية محمود درويش الشعرية"list 2 of 2تشوهات نفسية وجسدية في" أصل الأنواع" تكشف معاناة الإنسان العربي الحديثبدأ لويس الكتابة متأخرا، كما يقول، وهو ابن حي" عين شمس" القاهري، ومن هذا الموقع المزدوج، الغريب في بلده والغريب في منفاه، يكتب عن الفرد محاصرا بالمؤسسة؛ الكنيسة ومركز الشرطة في" طرق الرب"، ومبنى الإيواء والمستشفى في" على خط غرينتش"، والعائلة بعنفها الداخلي في" تاريخ موجز للخليقة وشرق القاهرة".
يقول للجزيرة نت إن" السلطة شبكة تتمدد في كل الاتجاهات"، وإنه معنيّ بهذا الحصار؛ شخصياته كلها مهزومة، أو هي على الأقل لا تنتصر، لكنها تظل تقاوم؛ وعلى خطى فوكو الذي لا يفارق رواياته الثلاث، ما دامت هناك سلطة فهناك مقاومة.
في هذا الحوار يتحدث عن الاغتراب بوصفه حالة مؤسِّسة للكتابة، وعن التجربة القبطية موقعا لقراءة السلطة لا سجنا يحبسه فيه، وعن موقفه المتقلب من الجوائز، بين انسحابه من قائمة معهد العالم العربي احتجاجا على موقف فرنسا من غزة، وقبوله جائزة اسكتلندية يصوّت عليها طلاب الدراسات العليا.
بدأت متأخرا في كتابة الأدب، ولم تنشر إلا وقد بلغت الأربعين، هل يشعرك ذلك بشيء من الندم؟بدأت متأخرا بالفعل، وأحسد أولئك الذين يبدؤون في العشرين.
كتبت روايتي الأولى وأنا على حافة الأربعين.
ولكنني لم أطمح يوما في أن أصبح كاتبا، ولم يكن الأمر في تصوري أصلا.
لكنني كنت قارئا دائما، وما زلت أرى نفسي هكذا.
بدأت بشكل عفوي حين أصبحت أنشر مقالات لموقع" المدن"، وأخذت أتعامل مع الكتابة ومفاتيحها ببطء شديد، فكانت أول خمس سنوات صعبة جدا، وكانت مجرد كتابة مقال عملية مؤلمة ومجهدة نفسيا وعقليا.
جاءت كتابة الرواية لاحقا عبر تماسّي مع الكتابة الأكاديمية أثناء إعداد الماجستير حول الثورة المصرية وعلاقتها بمفهوم الخطاب عند فوكو.
وترافق ذلك مع شعوري بتلاشي الذاكرة المرتبطة بحياتي في القاهرة.
بدأت أول رواية كمحاولة لتوثيق هذه التجربة لنفسي قبل أي قارئ.
أرى الآن أن تأخري كان مفيدا.
" فوكو في التحرير" كان أول إصدار لك، وهو رسالة الماجستير، وظل حضور فوكو واضحا جدا، ففي رواياتك كلها ثمة الفرد والمؤسسة والمبنى وأشكال السلطة، من الكنيسة ومركز الشرطة ومكان العمل في" طرق الرب"، إلى مركز الرعاية الاجتماعية والمستشفى في" على خط غرينتش"، وأخيرا في" تاريخ موجز للخليقة وشرق القاهرة" هناك مؤسسة العائلة بكل ما فيها من عنف موجه ضد أفرادها.
ملاحظة صحيحة، فالفلسفة الفرنسية ما بعد البنيوية مغامرة فكرية لها أنصار كثر في الثقافة العربية، وإن كانت قد تقادمت في أماكن أخرى.
وهي فلسفة ملهمة على مستوى اللغة والأفكار وتصورات علاقات القوة، معنية بالسلطة، لكنها مكتوبة بلغة أدبية، ومعنية بالحديث عن اللغة نفسها بوصفها مساحة وفضاء لممارسة السلطة.
وأنا لا أخرج عن هذا التأثر الكبير بهذه المدرسة.
وبالصدفة، حين درست علم النفس لاحقا، كانت المشرفة على رسالتي أستاذة في علم النفس نسوية وفوكوية، وكان لها تأثير كبير عليّ.
كما أن وقوع الفرد في مواجهة السلطات المتغولة من حوله ثيمة تناولها الأدب العربي كثيرا، غالبا من منطلق فرداني: هناك سلطة الدولة، وهناك فرد يريد حريته.
لكن الفرق في مدرسة ما بعد البنيوية الفرنسية وتشعباتها في الفكر الأمريكي أنها لا ترى السلطة بوصفها علاقة هرمية فقط؛ حيث توجد الدولة والسلطة الحاكمة والأب المتجبر، بل تراها موزعة في شبكة تأتي من كل الاتجاهات، في اللغة التي نتكلمها، وفي الممارسات اليومية، وفي أدوار الجندر، وغيرها.
في رواياتي الثلاث أنا معني بأشكال هذا الحصار، وبتوسع السلطة في مناطق مختلفة.
عناصر القوة التي تفرض نفسها على اللاجئين والمهاجرين لا تأتي من الأعلى فقط؛ فهي لا تُمارس بالضرورة من أغلبية بيضاء، أو من عنصريين ضد ضحايا، أو من دولة قمعية.
على العكس، قد تأتي من دولة الرفاه التي ندافع عنها ونتطلع إليها في بلادنا، ثم يمارسها لاجئون ومهاجرون وأقليات ضد بعضهم بعضافي رواية" طرق الرب" مثلا، البطل ليس ضحية للأغلبية المسلمة أو للنظام السياسي فقط، رغم حضور هذه العناصر، بل هو أيضا ضحية للكنيسة نفسها، ولعلاقات القمع والإخضاع التي تظهر مثلا في طقس الاعتراف.
وهناك أيضا العلاقات الكولونيالية غير المتوازنة في علاقة الحب بينه وبين الحبيبة الألمانية.
أما في" على خط غرينتش"، فالسلطة موجودة في مبنى الإيواء المؤقت؛ مكان ينتج خبرات وأداءات وشخصيات وإمكانيات واحتمالات محددة للوجود والسلوك.
عناصر القوة التي تفرض نفسها على اللاجئين والمهاجرين لا تأتي من الأعلى فقط؛ فهي لا تُمارس بالضرورة من أغلبية بيضاء، أو من عنصريين ضد ضحايا، أو من دولة قمعية.
على العكس، قد تأتي من دولة الرفاه التي ندافع عنها ونتطلع إليها في بلادنا، ثم يمارسها لاجئون ومهاجرون وأقليات ضد بعضهم بعضا.
في الرواية الأخيرة كان سؤالي الأساسي يتعلق باللغة التي أنتجتها الإرساليات البروتستانتية الأمريكية في مصر، وكيف قدمت لغة الكتاب المقدس، وكيف أثّر ذلك على الأقباط، وعلى خيالهم ومشاعرهم وعلاقتهم بمواطنيهم الذين يتكلمون عربية فصحى مختلفة قليلا.
وكيف تصبح الهيمنة اللغوية موجودة داخل النص الروائي نفسه، ونراها على مستويات مختلفة.
حسنًا، ما هو إذن الانشغال أو السؤال الأم الذي ولدت منه أسئلتك المتشعبة كلها؟السؤال الشاغل في الروايات الثلاث هو: هل المقاومة، كأفراد وجماعات، ممكنة؟ أم أن آليات النظام شديدة التوغل والإتقان، وموزعة ضمن شبكة أفقية تسيطر على كل شيء؟ لا أرى أن الحلول فردية أو ذاتية على الإطلاق.
يقال لي كثيرا إن هناك حس هزيمة حاضرا في كتاباتي، وهذا صحيح إلى حد ما؛ فالواقع من حولنا لا يشير إلى أن الانتصارات ممكنة في وقت قريب، بل إنها عملية تاريخية طويلة، علينا أن ننخرط فيها ضمن جماعات عابرة للحدود، وانتصاراتها تراكمية.
المهم أن شخصياتي الرئيسية كلها مهزومة، أو على الأقل لا تنتصر، لكنها ما زالت تقاوم؛ وكما يقول فوكو: ما دام هناك سلطة، هناك مقاومة.
في أعمالك هناك حالة مستمرة من الاندماج الناقص، ليس فقط في لندن، مكان إقامتك اليوم، بل وحتى في القاهرة، بل وفي العائلة أيضا.
هناك حيوات قائمة برمتها على سلسلة انقطاعات وتقطعات، صداقات هشة، وفصل من العمل، وعلاقات موجودة ولكنها بحكم المنتهية:هناك إجابات كثيرة على ذلك، وعلى أكثر من مستوى.
هناك الرد الرومانسي المرتبط بالأدب منذ العصر الرومانسي، والذي أكمل حضوره معنا بشكل ما؛ ففكرة الاغتراب هي حالة مؤسسة لفعل الكتابة.
فالكاتب متوحد وغريب، وشخصياته كذلك، وكان هناك إعلاء لهذا التصور المرتبط بالفردانية.
على مستوى شخصي، أنا أنتمي لأقلية مسيحية في بلد غالبيته مسلمة، وأنتمي إلى طائفة صغيرة داخل الأقلية المسيحية الأكبر.
تلا ذلك هجرتي إلى مكان أعتبر فيه شخصا بنيا أو عربيا، فهناك خبرة ذاتية مترسخة في واقع سياسي وجغرافي لا يسمح بتصور العالم خارج هذا الاغتراب.
والمستوى الأخير أننا نعيش في هذه الرأسمالية المفرطة التي نشهد فيها تكسير العلاقات التقليدية والانتماءات المألوفة، سواء الهويات القومية أو الجندرية أو العائلية، وتفرض شكلا عنيفا من الاغتراب.
الكاتب أيضا يكتب من موقع الغريب، ولهذا امتيازات كثيرة؛ إذ يسمح له ذلك بانفصال ما يمكن من خلاله رؤية العالم والتعبير عنه بشكل مختلف.
هل تكتب عن التجربة القبطية والتاريخ القبطي بهدف كتابته فقط، أم أنه موقع يتيح لك قراءة السلطة والعنف والتمييز والواقع الراهن؟تجربة الكتابة تبدأ من موقعنا في العالم، من وقائع مادية وحيز جغرافي وحقبة تاريخية، وإنتاجنا الأدبي بالضرورة متأثر بهذا.
فأنا ابن واقعة أنني ولدت قبطيا؛ فأنا أتعرض مثلا لقصص إنجيلية تدخل في مخيلتي، وكيف تُروى الحكاية، وتأثرت بالعامية التي كنا نسمعها في الكنيسة، ولغة الكتاب المقدس بنسخة فان دايك وبطرس البستاني.
ولها علاقة بقصص العائلة والشعور بالغبن الموروث، سواء أكان حقيقيا أم متخيلا.
وأنا ابن وقائع سياسية أيضا؛ فقد نشأت في منطقة" عين شمس" في فترة الثمانينيات، وكان فيها ما كان يعرف بـ" إمارة عين شمس"، وكان نفوذ الجماعات الإسلامية قويا فيها، وشهدت حرق الكنائس ومهاجمتها، كما كانت محلات الذهب التي يملكها أقباط هدفا لأحداث متكررة، وكنت واعيا لها.
فكان الرعب والخوف والهشاشة والتمييز عناصر وافرة في طفولتي، ولا شك أن هذا يؤثر في شكل كتابتي بشكل مباشر وغير مباشر.
لكنني لست أسيرا لهذا الموقع، وهناك تناقض ساخر في هذا الموضوع.
مثلا، مقالاتي التي تظهر فيها مواقفي السياسية أُتهم بسببها دائما بأنني" يساري محاب للإسلاميين" و" قبطي كاره نفسه".
في المقابل، حين تُقرأ رواياتي هناك من يرى أنني متمترس فيها داخل المساحة الضيقة للموضوع القبطي.
التجربة القبطية تجربة عميقة وإشكالية ومعقدة، وفيها عناصر كثيرة وينبغي كتابتها أدبيا.
ويمكن لأي أحد أن يجد نفسه فيها.
أجمل تعليق سمعته على" طرق الرب" كان من قارئ قال إن الرواية ذكّرته بتجربته في الانضمام إلى جماعة إسلامية في الثمانينيات حين كان صبيا.
من يقرأ رواياتك الثلاث يشعر أن هناك قفزات كبيرة بين كل واحدة والتي تليها، وتطورًا سريعًا على مستوى اللغة والصياغة والسرد والبناء.
أخبرنا ما سرك؟كل واحدة كتبت في سياق مختلف، والتباين الواضح نتيجة لهذه السياقات.
ونتيجة لأنني في البداية كنت أتلمس طريقي وأجرب؛ ففي" طرق الرب" لم أكن أعرف إن كنت أستطيع كتابة رواية، وإن كان ما أكتبه أصلا رواية، وهل هناك من يمكن أن ينشرها.
ووضعت لنفسي خطة للسرد وجدولا زمنيا لكتابتها رغم كل ذلك.
اليوم حين أستعيدها أشعر بالخجل الشديد، إن لم يكن بالعار.
أما" خط غرينتش" فكتبتها ووقعت عقد نشرها قبل صدور" طرق الرب".
كان لدي شعور بأن ثقتي أصبحت أفضل وأن لدي ناشرا.
وينطبق عليها مفهوم الوحي أو الإلهام؛ فقد رأيت فعلا المقطع الأول من الرواية مكتوبا أمامي، كتبته، وظللت أكتب بشكل متواصل ومن دون خطة على الإطلاق، وانتهيت منها في شهرين ونصف.
أما الرواية الأخيرة، فكتبتها وقد وصلتني ردود أفعال جيدة على عمليّ الآخرين، واقتنعت أن لدي مشروعا أدبيا، وأن عليّ صقل أدواتي بوعي.
استغرقت مني عشرة أشهر من التفرغ الكامل، عملا يوميا لثماني ساعات، وكانت فيها طبقات من الكتابة والعمل على الشخصيات وإعادة الكتابة.
موقفي من الجوائز هو موقف أي شخص صاحب مهنة: أن يكون لديه قواعد أخلاقية وإدارية وغير ذلك في شكل الشراكات التي يود تكوينها.
فالحصول على الجائزة يعني عملية تبادل مادي ومعنوي، لكن هناك اسما يرتبط باسم آخر مدى الحياة.
حين يقال إن الكاتب الفلاني فاز بجائزة الملك فلان، تنشأ علاقة في الذهن بين أدب هذا الكاتب وبين النظام السياسي الذي يمثله هذا الملك.
أو إذا كانت الجائزة تحمل اسم مؤسسة أو رجل أعمال، فهذا يعني ارتباط اسمك باسم هذه المؤسسة.
الأسئلة التي أسألها هي: هل هذا أخلاقيا يليق؟ وهل هذا سياسيا مقبول؟ وهذا القرار ليس ثابتا؛ فهناك جوائز ليست مقبولة لي بالمطلق، وهناك جوائز يتغير سياقها.
ارتبط اسمك دائما بالاحتجاج على الجوائز ونقدك الوجيه لها ورفضك لبعضها، لكنك قبلت جائزة" جيمس تيت بلاك".
الأمر أن الكاتب يحتاج أن يشعر أيضا بنوع من التقدير، وهو بحاجة أيضا إلى الدعم المادي الذي توفره هذه الجوائز.
كيف برأيك ينبغي على الكاتب أن يتعامل مع هذا النوع من التقدير؟أثناء الحرب في غزة مثلا، وصلت الترجمة الفرنسية لـ" على خط غرينتش" إلى القائمة القصيرة لمعهد العالم العربي، فانسحبت منها.
كان موقف الفرنسيين من وقف إطلاق النار مشينا، مثل معظم الحكومات الغربية.
وبعد عامين دخلت مرة أخرى في قائمة قصيرة للجائزة نفسها، وكانت فرنسا قد غيرت سياساتها تجاه غزة، وشاركت في جهود الاعتراف بدولة فلسطينية، فلم أرفض المشاركة في فعالية في المعهد، وحصل على الجائزة روائي فلسطيني، وكنت سعيدا بذلك.
وهناك جوائز تمنحها مؤسسة لكنها تحمل اسم رجل الأعمال القائم عليها؛ في رأيي لا يجب أن تحمل اسمه، لأسباب جمالية على الأقل.
أما هذه الجائزة فيمنحها قسم الآداب الإنجليزية في جامعة إدنبرة، وتحمل اسم ناشر بريطاني شهير، وعائلته هي من تمنحها، أما اللجنة فمن أكاديميي الجامعة، ويقوم طلاب الدراسات العليا بالتصويت على العمل الفائز.
ورئيسة اللجنة متخصصة في الدراسات ما بعد الكولونيالية، وأطروحتها حول فلسطين، وقيمة الجائزة متواضعة تُقسم بين الكاتب والمترجم.
لذلك لم أجد ما يستدعي إلا أن أكون سعيدا بهذه الجائزة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك