يشهد العراق في العطلة الصيفيّة الراهنة، إقبالاً ملحوظاً من الأطفال والشباب على تعلّم الموسيقى والعزف، ما يدفع عدداً من العائلات إلى اقتناء آلاتٍ موسيقية.
يؤكد كثيرون أنّ هواية العزف تجد طريقها إلى بيوتٍ كثيرة، بعد أن كانت محصورة بفئاتٍ محدودة أو بمؤسّساتٍ متخصّصة بالموسيقى.
يأتي ذلك نتيجة قناعة متزايدة لدى بعض الأسر العراقية التي ترى في الموسيقى وسيلةً لصقل شخصية أبنائها، وإبعادهم عن العزلة التي تفرضها الشاشات والألعاب الإلكترونية.
وفي حديثه لـ" العربي الجديد"، يقول بائع الآلات الموسيقية علي حسين إنّ الإقبال على شراء الآلات ازداد بوضوح خلال الأعوام الأخيرة، لافتاً إلى أن معظم الزبائن هم من الشباب والفئات العمرية الصغيرة.
وإذ يشير إلى أنّ أغلب المشترين كانوا قبل أعوامٍ من الموسيقيين المحترفين أو الفرق الفنية أو طلاب الموسيقى.
يقول: " أمّا اليوم فصار يأتينا طلاب مدارس، وشباب في المرحلة الجامعية، وحتى أطفال يرافقهم ذووهم لاختيار أول آلة موسيقية في حياتهم".
ويلفت إلى أنّ آلة العود تتصدر قائمة المبيعات، تليها الكمان، ثم الغيتار والبُزُق، إلى جانب الرق والدفّ والطبل، فضلاً عن عددٍ من الآلات الموسيقية الهوائية.
بدوره، يقول سعد إبراهيم الذي يعمل في تجارة الآلات الموسيقية، إنّ أسباب هذا الإقبال متعدّدة، موضحاً لـ" العربي الجديد" أنّ بعض الشباب يتّجهون إلى الموسيقى بتشجيع مباشر من عائلاتهم، فيما يحاول آخرون تقليد موسيقيين مشهورين تأثروا بهم، بينما يدفع حبّ الاستماع إلى العازفين المحترفين كثيرين إلى الرغبة في خوض التجربة بأنفسهم: " هناك من يشتري آلة موسيقيّة لأنه يعتبرها هواية جميلة تمنحه الراحة النفسية بعد الدراسة أو العمل، وآخرون يُقبلون على شراء آلة موسيقية وهم لا يعرفون شيئاً عن العزف، لكن لديهم رغبة في التعلّم، وبعضهم يعود بعد أشهر ليشتري آلة ثانية أو ثالثة بعدما يكتشف أنّ الموسيقى صارت جزءاً من حياته".
ولا يقتصر اتّساع الاهتمام بالموسيقى على اقتناء الآلات فحسب، بل يمتد إلى تزايد أعداد الراغبين في تعلّم العزف، وهو ما يؤكده معلم الموسيقى ومدرّب العزف على الآلات الوترية، أحمد السامرائي، مبيّناً لـ" العربي الجديد" أنّ الدورات التي يقيمها باتت تستقطب أعداداً أكبر من السابق، لافتاً إلى أنّ نسبة كبيرة من المتدرّبين هم من الأطفال والمراهقين الذين تحرص عائلاتهم على تسجيلهم في هذه الدورات.
ويؤكّد السامرائي أنّ الموسيقى ليست ترفاً أو وسيلة للترفيه فحسب، بل هي" مدرسة لتربية الذوق الإنساني، وتعلّم الصبر والانضباط والقدرة على الإصغاء"، ويرى أنّ" المجتمع العراقي، ولا سيّما الصغار والشباب، بحاجة ماسّة إلى تعلّم الموسيقى لكي يتغلّبوا على حالات نفسية صعبة تراكمت على مدى سنواتٍ من جرّاء مشاكل أمنية واجتماعية واقتصادية".
يضيف: " الطفل الذي يتعلّم العزف يحتاج إلى الالتزام بالتدريب اليومي، وإلى التركيز والتناسق بين العقل والحركة، وهذه مهارات تنعكس على حياته الدراسية والاجتماعية وعلى سلوكه النفسي، ما يجعله يبتعد عن مخاطر كثيرة، من بينها أن يُستغلّ من مجموعات إرهابية أو جهات مسلحة وغيرها".
يتحدّث السامرائي عن حرص عائلاتٍ عراقية عديدة على تعليم أطفالها الموسيقى، لافتاً إلى أنّه يتلقّى اتصالاتٍ من آباءٍ وأمّهاتٍ للاستفسار عن أهمية الموسيقى وفائدتها، والعمر المناسب لتعلّمها، ونوع الآلة التي تُناسب الطفل، وغيرها من الأسئلة.
ويقول: " صار أمراً معتاداً بالنسبة إليّ".
ولا تقتصر هذه القناعة على المتخصّصين، بل تجد صداها لدى أمّهاتٍ يحرصن على إدخال الموسيقى إلى حياة أطفالهنّ، باعتبارها بديلاً صحياً عن الانشغال المُفرط بالأجهزة الإلكترونية.
وتقول صبا محمد، وهي أمّ لثلاثة أطفال في المرحلة الابتدائية، إنّها شجّعت أبناءها على تعلّم الموسيقى منذ أعوامٍ، مؤكّدةً أنّ عدداً من صديقاتها يفعلن الأمر ذاته مع أطفالهنّ.
ومع تشجيع الأسرة، يكتشف كثير من الشباب شغفهم بالموسيقى حتى قبل إتقان العزف، مدفوعين بحبّ قديم للأغاني أو برغبةٍ في تقليد عازفين يتابعون أعمالهم.
ويقول الشاب مصطفى جاسم (19 عاماً) إنّ تعلقه بالموسيقى دفعه إلى شراء آلة غيتار قبل أشهر، رغم أنه ما يزال في بداية طريقه لتعلّم العزف.
ويضيف لـ" العربي الجديد": " أستمعُ منذ سنوات إلى مقطوعات موسيقية أجنبية وعربية، وكنتُ أتابع مقاطع لعازفين محترفين عبر شبكة الإنترنت.
ومع الوقت شعرتُ أنّ الاستماع وحده لم يعد يكفيني، فاشتريتُ غيتاراً، وقرّرتُ تعلّم العزف مهما تطلّب الأمر وقتاً".
يتابع: " ما زلتُ أتدرّب على الحركات الأساسية، لكنّني أشعر بسعادة كبيرة كلّما تمكّنت من عزف لحن بسيط، وأطمح مستقبلاً إلى تأليف مقطوعات خاصة.
ربّما تكون الموسيقى مهنتي في المستقبل".
بعض الشباب يتّجهون إلى تعلُّم الموسيقى بتشجيع مباشر من عائلاتهمأمّا زهراء حسين (16 عاماً) فتقول إنّ علاقتها بالموسيقى بدأت من داخل المدرسة.
تضيف لـ" العربي الجديد": " كنتُ أحبّ حصة الموسيقى لأنها مختلفة عن باقي الدروس، وكانت المعلمة تشجّعنا على تعلّم العزف على الآلات.
ومنذ ذلك الوقت، صارت الموسيقى هوايتي المفضّلة"، وتختم بالقول: " أحبُّ صوت آلة الفلوت كثيراً، لذلك طلبتُ من عائلتي شراءه".
ويتحوّل الشغف بالموسيقى لدى بعض المراهقين إلى رحلةٍ مستمرة لاكتشاف مزيد من الآلات والأصوات الموسيقية، مدعومة أحياناً بتشجيع أفراد العائلة.
ويقول سوران خليل (16 عاماً) لـ" العربي الجديد": " دفعني والدي إلى تعلّم العزف وحبّ الموسيقى منذ كنتُ طفلاً بعمر ستّة أعوام.
صارت الموسيقى كلّ شيء في حياتي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك