ظهرت خلال الشهور الأخيرة أزمة اقتصادية جديدة في قطاع غزة تتمثل في تجميد وإغلاق عدد من الحسابات المصرفية، الأمر الذي حرم أصحابها من الوصول إلى مدخراتهم أو الاستفادة من الحوالات المالية التي يعتمدون عليها لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وتزايدت شكاوى غزيين من إغلاق حساباتهم المصرفية دون تلقي توضيحات كافية بشأن الأسباب أو المدة المتوقعة لمعالجة أوضاعهم، فيما دفع تصاعد هذه الحالات عدداً من المواطنين إلى البحث عن بدائل لحماية مدخراتهم، من خلال شراء الذهب أو الاحتفاظ بالأموال خارج الجهاز المصرفي خشية تعرضها للتجميد في أي وقت.
ويرى مختصون أن هذه التطورات لا تقتصر آثارها على أصحاب الحسابات المجمدة، وإنما تمتد لتؤثر في حركة الأسواق ومستويات الاستهلاك والثقة بالقطاع المصرفي، خاصة في ظل اعتماد آلاف الأسر على الحوالات الخارجية والمدخرات الشخصية لتغطية نفقاتها اليومية بعد تراجع فرص العمل وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية.
يقول الفلسطيني زياد عودة إن قرار بنك فلسطين بتجميد حسابه المصرفي أدخله في أزمة معيشية حقيقية، بعدما فقد القدرة على استخدام جميع الخدمات البنكية التي كان يعتمد عليها في إدارة شؤون أسرته، موضحاً أن حسابه كان الوسيلة الوحيدة التي يدير من خلالها التزاماته المالية اليومية قبل أن يفاجأ بتوقفه كلياً.
ويؤكد عودة لـ" العربي الجديد" أنه لم يتلق أي حوالة مالية من الخارج خلال الفترة الماضية، ولا يعرف السبب الحقيقي الذي دفع البنك إلى تجميد حسابه، مشيراً إلى أنه راجع الفرع أكثر من مرة للاستفسار عن الأمر، إلا أن الموظفين أبلغوه بأن القرار يعود إلى" أسباب تنظيمية ورقابية"، دون تقديم أي توضيحات إضافية أو تحديد موعد لمعالجة المشكلة أو إعادة تفعيل الحساب.
ويضيف: " قرار التجميد تسبب لي بشلل كامل في حياتي المعيشية إذ أصبحت عاجزاً عن تنفيذ أي معاملة مالية أو الوصول إلى أموالي لتوفير احتياجاتي"، مؤكدا أنه لا يزال يبحث عن أي مخرج يساعده على تسيير أمور حياته اليومية، لكن جميع محاولاته حتى الآن باءت بالفشل ما زاد من شعوره بالعجز في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع.
ولم تكن تجربة الفلسطيني محمد سرداح مختلفة كثيراً، إذ يقول إنّ حسابه المصرفي أغلق فور تلقيه حوالة مالية بقيمة 300 دولار أرسلتها شقيقته المغتربة لمساعدته على مواجهة الظروف المعيشية الصعبة، مؤكداً أنه لم يتوقع أن يؤدي مبلغ بهذا الحجم إلى إغلاق الحساب تلقائياً.
ويوضح سرداح لـ" العربي الجديد" أن قيمة الحوالة كانت متواضعة مقارنة بحجم احتياجات أسرته، وجاءت في ظل انعدام فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، إلا أنه فوجئ بعدم تمكنه من الوصول إلى الأموال، مع إغلاق الحساب دون تلقي أي إشعار مسبق أو تفسير واضح للأسباب التي دفعت إلى اتخاذ هذا الإجراء.
ويضيف: " كنا نبحث عن أي وسيلة تساعدنا على الصمود في ظل البطالة وانهيار الأوضاع المعيشية، لكنّنا وجدنا أنفسنا أمام معاناة جديدة تتمثل في إغلاق الحسابات وعدم استقبال الكاش، فأصبح الحصول على المساعدة لا يعني بالضرورة القدرة على الاستفادة منها، وهو ما يزيد من الضغوط على الأسر التي تعتمد على الحوالات الخارجية مصدراً رئيسياً للدخل".
أما الفلسطينية أماني عبد اللطيف، فاتخذت قراراً مختلفاً لحماية مدخراتها، إذ اشترت مصاغاً ذهبياً بقيمة تسعة آلاف دولار، وهو كامل المبلغ الذي كانت تحتفظ به في حسابها المصرفي، رغم أن أسعار الذهب في السوق المحلية تفوق الأسعار العالمية بفارق ملحوظ.
وتوضح عبد اللطيف لـ" العربي الجديد" أن قرارها جاء نتيجة تزايد المخاوف من إغلاق الحسابات المصرفية، مؤكدة أنها لم تعد تشعر بالأمان تجاه الاحتفاظ بمدخراتها داخل الجهاز المصرفي، خاصة بعد سماعها قصصاً متكررة عن تجميد حسابات مواطنين دون معرفة الأسباب أو موعد استعادة أموالهم.
وتشير إلى أن هذا المبلغ يمثل" تحويشة العمر"، لذلك فضلت تحمل فارق السعر وشراء الذهب على إبقاء الأموال داخل الحساب معرضة للتجميد في أي لحظة، معتبرة أن الذهب رغم ارتفاع تكلفته، يمنحها شعوراً أكبر بالأمان ويمكنها من الاحتفاظ بمدخراتها بعيداً عن أي إجراءات مصرفية قد تحول بينها وبين الوصول إلى أموالها.
من جهته، يرى المختصّ في الشأن الاقتصادي عماد لبد، أن تزايد شكاوى المواطنين بشأن تجميد بعض الحسابات المصرفية وتعقيد إجراءات الوصول إلى الأموال في بنك فلسطين يمثل تحدياً إضافياً للاقتصاد في قطاع غزة، في ظل الظروف الإنسانية والاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها السكان منذ اندلاع الحرب.
ويقول لبد لـ" العربي الجديد" إن استمرار القيود على الحسابات، خاصة تلك المتعلقة بالورثة أو المستفيدين من التحويلات المالية، يؤدي إلى تعطيل السيولة داخل الأسواق ويحد من قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على النشاط التجاري وحركة الاستهلاك المحلي ويعمق حالة الركود الاقتصادي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك