لم تحد الدورة الـ17 (19 ـ 24 يونيو/حزيران 2026) للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بأكادير (فيدادوك) عن الخط التحريري، الذي شُيّد زمن الإدارة الفنية لهشام فلاح على ثلاث دعائم:أولاً: مسابقة رسمية تجمع بين الجدّة واقتراحات جمالية قوية، بحضور غالبية المخرجين، وهذا تحقّق في الدورة الأخيرة، بفضل أعمال عرضت في أكادير مباشرة بعد تقديمها في الدورة الـ57 (17 ـ 26 إبريل/نيسان 2026) لرؤى الواقع (Visions Du Reel) بنيون (سويسرا)، أو بعد أشهر قليلة من عرضها الأول في الدورة الـ48 (21 ـ 28 مارس/آذار 2026) لمهرجان سينما الواقع (Cinema Du Reel) بباريس، أو مختارة من الدورة الـ23 (11 ـ 22 مارس/آذار 2026) للمهرجان الدولي للفيلم الوثائقي بكوبنهاغن.
ثانياً: الإسهام في دعم الوثائقي بالمنطقة العربية والأفريقية، عبر برنامج إقامة الكتابة ومنح التطوير للمخرجين، وبفضل خلية الوثائقي، المعنية بتكوين مخرجي الغد، حاملي مشاريع أفلام، وطلبة أيضاً، قادمين من جامعات ومعاهد السينما بالمملكة.
ثالثاً: اقتسام تجارب مخرجين مكرّسين بعروض استعادية لأفلامهم ومناقشتها، تحقيقاً لاحتكاك واستلهام، لخلق رؤى وتكوين مراجع لدى الشباب، وهذا حصل في الدورة الـ17 بعرض ثلاثة أفلام للمصري نمير عبد المسيح ومناقشتها معه، إضافة إلى تقديم جديد الجزائري حسن فرحاني، عن تجربته مع جمعية Lieux Fictifs، التي أنشأت استديو بسجن" بوميت" بمرسيليا، بغية تدريب السجناء على مهن السينما وإنتاج أفلام وعرضها.
وأيضاً تكريم يوسف شاهين بمناسبة مئوية ولادته (1926 ـ 2008).
قصص عائلية ونضالات سياسيةجمعت الثيمات الحاضرة بالمسابقة الرسمية لهذه الدورة بين نقيضَي الحميمية العائلية وملحمية الصراعات السياسية.
مُنحت الجائزة الكبرى ـ نزهة الدريسي إلى" أميلكار"، للإسباني ميغيل إيك: مسار الشاعر والثوري أميلكار كابرال، الذي برز قائداً كاريزماتياً للنضال ضد الاستعمار البرتغالي بغرب القارة الأفريقية، مُشعلاً بأفكاره انتفاضة ثقافية ومسلّحة، غذّت حلم غينيا بيساو والرأس الأخضر بالوحدة والحرية.
يمزج الفيلم بين حكي على شكل يوميات وأجواء مشحونة بالتوتر، على خلفية تقارير شرطة ولقطات أرشيفية، مُقدّماً صورة ثلاثية الأبعاد لشخصية أفريقية فريدة، مع أسئلة عمّن اغتالها عام 1973.
أما جائزة لجنة التحكيم، فكافأت بجدارة عملاً يتميّز بقدرته على التقاط أشياء في طور الاختفاء، ويجمع بين التوجهَين العائلي والسياسي في بوتقة واحدة: " الشمس والرصاص" لجيروم لومير، عن اضطرار قبيلة أمازيغية للتخلّي عن نمط حياة الرُحّل، الذي دأبت عليه منذ قرون، مع بدء تشييد مجمع ضخم للطاقة الشمسية بمنطقة ميدلت بالأطلس المتوسط (ثاني أكبر مجمع بالمغرب يجري إنشاؤه في إطار مخطّط نور للطاقة الشمسية، بعد محطة ورزازات)، يُغيّر تدريجياً ملامح المشهد الطبيعي.
يتأمل لومير، مُعتمداً على مادة فيلمية غنية جمعها في ثماني سنوات، في تداعيات المشروع على عيش الرعاة، وسعيهم إلى التكيف مع صعوبات نقل قطيع الماشية، بسبب الحواجز الحديدية والإسمنتية.
يطرح الفيلم تساؤلات هامة عن كيفية انتهاء التقدم، رغم نيّاته النبيلة، المتمثلة هنا في إيجابيات الطاقة النظيفة، بإحداث تغييرات جمة على التوازن الطبيعي والحيواني، على غرار وثائقيّه السابق" الشاي أو الكهرباء" (2012)، الذي اقتفى مسار تزويد قرية صغيرة ومعزولة وسط جبال الأطلس الكبير بالكهرباء، مُلتقطاً تفاصيل التغييرات التي يحدثها التقدم التكنولوجي على يوميات مجتمع القرية، وعلاقاته وتقاليده الموروثة.
جائزة أفضل أول فيلم نالها" نيكول نيكول" للسويسرية لوران دالنباك، عن خالتها نيكول (55 عاماً)، التي تعاني قصوراً عقلياً، وتعيش رفقة الجدة (87 عاماً).
بورتريه صادق يقتفي يومياتها.
في البداية، تبدو غير مكترثة بأي شيء، باستثناء قراءة شريط الصُور (Photo-Roman)، ولحظات غناء توردها المخرجة بجمالية شاعرية، تخلق توحّداً مع شرط خالتها.
شيئاً فشيئاً، تطرح والدة المخرجة مع الجدة، المتردّدة في الانفصال عن نيكول، نقاشاً حول ضرورة التفكير في إعداد هذه الأخيرة لحياة مستقلّة تحسّباً للمستقبل، فتنشأ مشاهد مؤثرة، تقبض على المأزق الذي تعيشه العائلة.
في النصف الثاني من الفيلم، تبتكر دالنباك، وفق تدبير فني خلاّق، شريط صُور، تلعب فيه نيكول دور البطولة، فتخضعها لجلسات تصوير تقتفي سيناريو تخييلياً يغدو نوعاً ما تنفيساً لها عن الحياة الرتيبة التي تعيشها.
علاقة نيكول بالكاميرا، الخالية من أي حسابات مسبقة أو تهيّب، ونظراتها نحو المخرجة من وراء الكاميرا، تجعلان الفيلم وثائقياً جميلاً عن الاختلاف، يحثّ على التفكير في كون من يُعتبرون أقل ذكاء، بالمعايير المتوافق عليها في المجتمع، الأكثر سخاء وصدقاً، غالباً.
نمير عبد المسيح: سحر السينماجديد المخرج المصري نمير عبد المسيح، " الحياة بعد سهام"، يستكمل رحلة الغوص في ذاكرة محيطه العائلي، بعد جوهرته" العذراء والأقباط وأنا" (2011)، المعروض بالمهرجان أيضاً، منطلقاً من وفاة والدته سهام، سعياً إلى إعادة تشكيل قصة لقائها بوالده وزواجهما، ثم رحلتهما إلى فرنسا، وصولاً إلى ولادته وتربية خالته له في صعيد مصر.
يمتشق الابن الكاميرا مجدّداً، تنفيذاً لوعد قطعه لوالدته بأن ينجزا معاً فيلماً آخر بعد تألّقها في" العذراء.
".
يقتنع أن والده لن يعيش طويلاً، فتغدو حركته فعلاً سينمائياً صرفاً، يرنو إلى بعث روح والدته بمشاهد من تراث السينما المصرية (" فجر يوم جديد" و" عودة الابن الضال" ليوسف شاهين)، ومقاطع فيديو منزلية، وصُور فوتوغرافية يناوبها مع مشاهد استجواب والده، وقراءة فقرات من رسائل تبادلها الأخير مع سهام.
وكما أن السينما في" العذراء.
" وسيلة لإعادة خلق معجزة مفترضة والتقاط اللامرئي، فإنها في" الحياة بعد سهام" رابط روحي مع العالم الآخر، ووسيلة تأمل في الوجود والتفكير في مسألة التوارث بين الأجيال.
فعلاقة المخرج بابنيه، وتعليقاتهما على ميله الطبيعي إلى تصوير محيطه، تخلق نسقاً دالاً وملهماً.
هناك أيضاً" أنت، وجيه" (2005)، أول وثائقي قصير للمخرج نفسه: الوقوف على تقاطعات دالة بين هذا البورتريه المبكر بالأسود والأبيض، عن علاقته بوالده، والفيلمَين الطويلَين، وكيف تطور أسلوبه من صدامية طرح الأسئلة عن ماضي الأب، بصفته مناضلاً شيوعياً في أواخر الخمسينيّات الماضية، اعتُقل في عهد عبد الناصر، واختياراته في المرحلة الموالية لخروجه من السجن، إلى المسافة التي تتيحها السخرية والميتا ـ سينما في فيلميه الطويلين، كما أن الظهور الخاطف للوالدة في مقطع فيديو بالألوان، يصوّر فيه نمير حفلة وداع والده المُحال على التقاعد، يُقرأ بشكل مغاير على ضوء حضورها الطاغي في" العذراء.
"، وغيابها المحسوس في" الحياة بعد سهام".
في نهاية نقاش" أنت، وجيه"، سُلّم درع تذكاري للمخرج باعتباره عراب خلية الوثائقي، في لفتة جميلة وغير صارخة، تتلافى بهرجة التكريمات، والتأثير على تساوي الحظوظ في المسابقة الرسمية.
تلبيةً لدعوة جمعية Lieux Fictifs (أمكنة متخيّلة)، أنجز فرحاني فيلماً بسجن" بوميت" بمرسيليا، بعنوان" استديو بوميت" (33 دقيقة)، بالتعاون مع ثمانية سجناء شباب، معتمداً على مرجعين: To Sang Fotostudio (إنتاج 1997) للهولندي يوهان فان دير كوكن، وكتاب La Chambre Claire (صادر عام 1980) لرولان بارت.
على خلفية ديكور استديو تصوير، وملصقات لشطآن ساحرة وسديم نجوم وربوع قاحلة، تحيل على الغرب الأميركي، يتساءل فرحاني مع نزلاء السجن، الذين يصطفون في تشكيلات أمام عدسة الكاميرا، عن معنى التمثيل الفوتوغرافي.
يقرأ الشبان مقاطع من كتاب بارت، وخواطر شاعرية عن شرط الاعتقال وعلاقتهم بذويهم.
لتقديمه بأكادير، حضر جوزف سيزاريني وكارولين كاكّافالي، مؤسسا الجمعية، وقُدّم قبل العرض شريط فيديو أجاب فيه فرحاني، الذي تعذّر عليه الحضور، عن أسئلة هشام فلاح عن نيّاته، وتجربة خلق الفيلم مع سجناء.
تلى العرض نقاش حول تجربة الاشتغال على مشاريع فنية مع مؤسسات سجنية، حضرته فاطنة البويه (ناشطة مغربية، ومناضلة يسارية سابقة)، لاقتسام تفاصيل اشتغالها مع مندوبية السجون بالمغرب، لخلق ظروف سجن أكثر إنسانية.
إليه، عرض" فاطنة، امرأة اسمها رشيد" للفرنسية هيلين هاردر (المسابقة): المسار النضالي للبويه، والتزامها الاجتماعي الحاضر بالمغرب، وهذا من أهم لحظات الدورة الأخيرة تلك، وأكثرها تأثيراً في الحاضرين.
في إطار تكريم شاهين، شاركت ماريان خوري (منتجة ومخرجة)، مع برنامج تضمّن مقاطع صوتية من حوارات أجرتها الصحافية الفرنسية كاترين رييل (راديو فرنسا الدولي) معه، جُمعت بحسب ثيمات (الرقابة، مهمة السينمائي، الالتزام، الانتماء إلى الناس، طفولة الفن، مدرسة التطلب، إلخ.
).
بعدها، علّقت خوري ورييل على محتوى المقاطع، وفُتح حوار مع الحاضرين عن الأصداء الغنية التي تخلقها تصريحات شاهين مع الحاضر، خاصّة أنه رؤيوي وصريح في آرائه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك