تنقذ الحملات الطبية المجانية كثيرين في سورية، وكان أحدهم، أخيراً، عماد الدين سودة الذي خضع لعملية جراحية على يد جراح القلب محمود الجاسم القادم من ألمانيا.
خلال استراحة قصيرة بين العمليات داخل مستشفى إدلب الجامعي، لم يكن الجاسم بعيداً عن ملف سودة الذي خرج من عملية قلب مفتوح.
كان يناقش مع زملائه الأطباء تفاصيل حالة سودة، وخطورة التأخر في تنفيذ التدخل الجراحي.
وكان سودة مستلقياً على سرير وإلى جانبه صديقه محمود حمادي الذي رافقه خلال رحلة طويلة للبحث عن عملية لم يستطع دفع كلفتها.
لم يكن المشهد مجرد حالة طبية ناجحة، بل قصة إنقاذ حياة شخص ظلّ عالقاً بين مرض خطير وفقر لا يسمح له بالعلاج.
عانى سودة، وهو عامل إطفاء من مدينة حلب، من أذى كبير في الشرايين الإكليلية، ثم أجرى له الجاسم ثلاث مجازات إكليلية مجانية، في توقيت عاجل لم يكن يحتمل الانتظار.
يقول الجاسم لـ" العربي الجديد": " عانى سودة البالغ نحو 56 عاماً من أذى كبير في الشرايين الإكليلية، مع مشاكل في التنفس وآلام في الصدر، واحتاج إلى عملية مجازات إكليلية عاجلة لم تكن اختيارية أو قابلة لتأجيل طويل، لأن نقص التروية كان يتقدم.
وكان تأخر الجراحة يمكن أن يؤذي القلب بشكل حاد أو يؤدّي إلى موت مفاجئ أو إلى تدهور تدريجي في عضلة القلب يجعل وظيفتها غير كافية".
يضيف: " يبقى بعض المرضى على قوائم الانتظار حتى تتطور حالتهم، ويموتون قبل أن يصل دورهم، أو يصلون إلى مرحلة يصبح فيها العمل الجراحي ذا جدوى أقل".
كان سودة يعمل في الإطفاء وعلى سيارة أجرة بعد الدوام لأن راتبه لا يكفيه.
لم يكن يجهل خطورة وضعه، لكنه لم يكن يملك ترف التوقف عن العمل.
كانت النوبات تبدأ بألم في الصدر يمتد إلى اليد، ثم يضع حبة تحت لسانه حتى تخف.
وبعدها تفاقمت حالته، وصارت النوبات تأتيه أربع أو خمس مرات يومياً في حال بذل أدنى جهد.
ويقول: " أصعب ما مرّ علي كان الوضع المادي والمرض، وفي إحدى المرات باغتتني نوبة حين كنت أقود سيارة الأجرة، فطلب مني الراكب أن أتوقف وساعدني في الوصول إلى مركز طبي خيري في حي السليمانية بحلب حيث تلقيت حقنة أراحتني.
كانت كلفة العملية العقبة الأكبر، وطلبت مستشفيات في حلب مني مبلغ 9000 دولار لإجراء الجراحة، وهو يفوق قدرتي.
وهنا بدأ دور صديقي حمادي في البحث عن جهة تتبنى العملية".
ويقول حمادي، وهو من ريف حلب الجنوبي، لـ" العربي الجديد": " عملت مع سودة في الإطفاء نحو 16 عاماً، ثم فرقتنا سنوات الحرب، وحين عدت من ألمانيا إلى سورية بعد سقوط النظام السابق وجدت سودة مثقلاً بالمرض والحاجة.
رافقته من طبيب إلى آخر، ومن جمعية إلى أخرى، بحثاً عن فرصة للعلاج، واستمرت الرحلة نحو سنة، وكانت بعض الجهات تعرض تغطية جزء من الكلفة.
وفي إحدى المراحل بقي على سودة مبلغ نحو 1300 دولار لم يستطع تأمينه.
وبعدها تلقى اتصالاً للحضور إلى مستشفى إدلب الجامعي، وتقرر أن يخضع لعملية في اليوم التالي أجراها جراح القلب الجاسم".
وكان الجاسم، وهو من دير الزور، قد غادر سورية عام 2009، ولم يزرها منذ عام 2010.
ودرس الطب في جامعة اللاذقية ثم تابع اختصاصه في ألمانيا حيث يشغل موقعاً متقدماً في مركز طبي كبير.
وهو عاد إلى سورية بعد نحو 16 عاماً من الغياب، وشارك في حملات طبية مجانية عبر الجمعية الطبية السورية الألمانية (SGMA) التي تضم أطباء وعاملين سوريين في القطاع الصحي في ألمانيا وسورية نفذوا مهمات خلال الفترة الماضية في دمشق وحماة وحلب وإدلب.
ويتحدث الجاسم عن أن مرضى كثيرين يحتاجون إلى اختصاصه ولا يملكون كلفة العلاج.
ويقول: " سورية بلدي ويجب أن نساعد إخوتنا فيها، خصوصاً غير القادرين المعرضين للموت.
من هنا تبدو حملات العمليات المجانية محاولة مباشرة لإغلاق فجوة قد تكون قاتلة بين التشخيص والعلاج، لكنها ليست حلاً شاملاً، فعدد المستفيدين يتوقف على التمويل، وجاهزية المراكز، وقدرة الفرق الطبية، والإمكانات المتاحة، علماً أن الحالات كثيرة والناس منهكون.
ويقترب بعض المرضى من الموت إذا لم تُجرَ لهم عمليات في وقت مناسب، فالحملات تنقذ أفراداً لكنها تكشف في الوقت نفسه حاجة أوسع إلى منظومة صحية قادرة على التعامل مع الحالات العاجلة".
وبعد نجاح العملية يتوقع الجاسم أن يعود سودة إلى حياته الطبيعية، وأن تستمر وظيفة القلب بشكل جيد.
وهكذا يخرج من فتحة ضيّقة بين الفقر والموت، وقصته لا تنتهي عند عملية مجانية ناجحة، بل تفتح سؤالاً عن مرضى آخرين لا يزالون ينتظرون الدور والكلفة والطبيب المناسب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك