القدس العربي - IMEC وأمن الطاقة: الأردن بوابة لا ممرا قناة الجزيرة مباشر - سياق الحدث | المحادثات الفنية بين أمريكا وإيران تمهد للاتفاق أم تؤجل الخلافات؟ القدس العربي - مجلس الشعب السوري: الاختبار الحقيقي يبدأ الآن القدس العربي - سلام: لا نسعى لصدام مع حزب الله ولكن لن نخضع للابتزاز ولن نتراجع عن حصرية السلاح- (فيديو) وكالة سبوتنيك - احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي يهبط لأدنى مستوى منذ 4 عقود وكالة سبوتنيك - "يونيفيل": نواجه قيودا تحد من حركتنا في لبنان القدس العربي - من ينعى أخلاق العالم؟ وكالة الأناضول - الفيدرالي الأمريكي: مخاطر التضخم تراجعت خلال الأسابيع الأخيرة وكالة سبوتنيك - مروحية أمريكية تسقط في بحر العرب قناة التليفزيون العربي - "يمكننا قصفها مرة أخرى إذا لزم الأمر".. واشنطن تصعد لهجتها تجاه طهران
عامة

العهد الممزق.. كيف تحوّلت الفيدرالية في العراق من حلم الاستقرار إلى فخ بنيوي؟

رووداو عربية
رووداو عربية منذ ساعتين

" الدولة التي لا تملك وسائل التغيير لا تملك وسائل الحفاظ على نفسها". . إدموند بيرك.هل كان العراق يوماً دولة فيدرالية حقاً، أم أنه مجرد" مشروع مؤجل" للفوضى؟ منذ اللحظة التي أُسدِل فيها الستار على نظا...

" الدولة التي لا تملك وسائل التغيير لا تملك وسائل الحفاظ على نفسها".

إدموند بيرك.

هل كان العراق يوماً دولة فيدرالية حقاً، أم أنه مجرد" مشروع مؤجل" للفوضى؟ منذ اللحظة التي أُسدِل فيها الستار على نظام صدام حسين الدكتاتوري في عام 2003، قُدّم" العراق الجديد" للمجتمع الدولي كواجهة براقة للديمقراطية التوافقية في قلب الشرق الأوسط.

صِيغت هندسة الدولة الجديدة على وعود الشراكة، والتعددية، والأمل في طي صفحة المركزية القمعية.

لكن إلقاء نظرة فاحصة على المشهد اليوم يكشف عن واقع مرير، فالشلل الهيكلي الذي يطبع العلاقات بين بغداد وأربيل ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر السياسية العابرة، بل هو" عطل في نظام التشغيل" للدولة العراقية، ناتج عن نقاط احتكاك تشريعية معطلة عمداً.

إننا لا نشهد هنا مجرد تجاذبات بين حكومتين، بل نشهد انهياراً بطيئاً لنظام تشغيلٍ عجز عن التحول من" منطق القوة" إلى" منطق القانون".

بحيث إن الأزمات دفعت مشروع الدولة مراراً إلى حافة الانهيار، على نحو لا يعكس فشلاً في المبدأ الفيدرالي كآلية للحكم، بل كان نتيجة حتمية لهيكل دستوري تُرِك قاصراً ومبتوراً عمداً، دون أدوات قانونية تحمي توازناته.

وبدلاً من أن تُحل الخلافات في أروقة المؤسسات الدستورية، تحولت الملفات الفنية والإدارية إلى ساحات للصراع الوجودي.

وكما يتضح من تتالي الأزمات خلال السنوات الماضية فإن غياب التقاليد المؤسساتية أدى إلى جعل الدستور (الذي كان ينبغي أن يكون عقداً اجتماعياً) مجرد وثيقة تفسيرية خاضعة لأهواء الأقوى في لحظة سياسية معينة.

إن المحطات الست التي سنستعرضها في هذا المقال ليست مجرد ملفات خلافية متفرقة، بل هي مفاصل حيوية في جسد الدولة الفيدرالية التي أُصيبت بتصلب وظيفي.

لقد اخترنا توصيفها بـ(المحطات) لتجسيد مسار التدهور التراكمي في هذه التجربة، فهي تمثل رحلة في أعماق الفشل البنيوي، حيث تُشكل كل محطة (عضواً) معطلاً في نظام التشغيل الوطني.

إن هذا التشريح للمحطات يهدف إلى كشف كيف تحولت الوظائف الإدارية التي كان يُفترض بها أن تُنشط التنمية، إلى نقاط فحص لصراع السيادة والوجود، مما حول الدولة في نهاية المطاف إلى (دولة محطات)' عالقة في فخ التجميد الدائم.

كما ينبغي التنويه إلى أن هذه المحطات لا تقع على مستوى واحد من التأثير، فبعضها يمثل ثوابت الأزمة، أي تلك الملفات التي تعمل كمحركات دائمة للاحتكاك، كالنفط والمناطق المتنازع عليها، والتي تُبقي الدولة في حالة استنزاف مستمر.

بينما تمثل محطات أخرى تحولات مفصلية أو لحظات تاريخية (كصدمة 2017) أحدثت زلزالاً سياسياً غير قواعد اللعبة، ونقلت الصراع من أروقة السياسة إلى منطق القوة.

إن فهم هذا التمايز بين ما هو بنيوي دائم وما هو زلزال تاريخي هو المفتاح لقراءة المسار الذي انتهى بالفيدرالية العراقية إلى هذا العهد الممزق.

وفيما يلي تشريح معمق للمحطات الست التي فككت التفاهمات الوطنية وحولت الملفات الإدارية إلى أزمات دورية خانقة:المحطة الأولى- حرب السيادة النفطية (الصراع على الموارد)لقد تحول النفط -الذي يُفترض أن يكون الشريان الجامع لكافة مكونات العراق والمحرك الأساسي للتنمية إلى أداة جيوسياسية حادة، حيث انزلقت البلاد تحت وقع ما يسميه الاقتصاديون" لعبة الصفر"، التي لا تقبل فيها بغداد وأربيل إلا باقتسام غير متكافئ للسيطرة.

إن غياب قانون اتحادي للنفط والغاز دفع الطرفين إلى مستنقع من الدعاوى القضائية الدولية، بما في ذلك قرارات المحكمة الاتحادية العليا وقرارات التحكيم في باريس، مما تسبب في توقف تصدير النفط عبر خط" كركوك-جيهان" لفترات زمنية طويلة.

هذه الخسارات المليارية لم تكن مجرد أرقام محاسبية، بل كانت استنزافاً مباشراً لموازنة الدولة، حيث أدى انعدام الثقة إلى جعل كل برميل نفط يُصدر من الإقليم يُنظر إليه في بغداد كفعل" انفصالي"، بينما يُنظر إليه في أربيل كـ" حق دستوري" أصيل لبقاء الكيان الاقتصادي للإقليم.

وهنا يبرز غياب (مجلس الاتحاد) كفراغ مؤسساتي فادح، فلو وُجدت هذه الغرفة التشريعية، لكانت هي المنصة الطبيعية للتوفيق بين المصالح الوطنية والإقليمية بعيداً عن أروقة القضاء الدولي أو التشنجات السياسية.

المحطة الثانية- رواتب الموظفين (سلاح العقاب الجماعي)في أي دولة فيدرالية مستقرة، تُعد رواتب الموظفين التزاماً سيادياً ثابتاً يُصان من التقلبات السياسية.

لكن في التجربة العراقية، تحولت الرواتب إلى" سلاح ضغط" ذي حدين.

عندما تعمد بغداد إلى حجب التمويلات -أو التلويح بذلك- بذريعة عدم التزام أربيل بتسليم الإيرادات، فإنها لا تُحجّم القيادة السياسية فحسب، بل تضع مئات الآلاف من الموظفين الكورد في مواجهة قسرية مع معيشتهم اليومية.

هذا التكتيك لم ينجح يوماً في إخضاع مراكز القرار في أربيل، ولكنه نجح بامتياز في تعميق" هوة نفسية" سحيقة بين المواطن الكوردي ومفهوم الدولة الاتحادية، حيث تحولت صورة بغداد في الوجدان الجمعي هناك من" حاضنة وطنية" إلى" خصم" اقتصادي يهدد لقمة العيش.

إن هذه السياسة خلقت" غربة داخلية" جعلت أجيالاً كاملة في الإقليم تشعر بأنها تنتمي إلى نظام سياسي مختلف عن ذلك الذي تحكمه بغداد.

المحطة الثالثة- صدمة 2017 (نقطة التحول العسكري)كشفت أزمة استفتاء استقلال إقليم كوردستان في عام 2017 عن حقيقة مُرة: الفيدرالية العراقية تفتقر تماماً إلى" آليات احتواء الأزمات".

لم تكن الأزمة متجسدة في الاستفتاء كفعل سياسي بحد ذاته، بل في رد الفعل الذي مزق القواعد غير المكتوبة للتعايش الوطني.

عندما تحركت القوات الاتحادية لاستعادة كركوك، لم يكن ذلك مجرد إجراء قانوني، بل كان إعلاناً رسمياً بنهاية" عصر التوافق" والعودة الصريحة إلى" عصر القوة".

أثبتت هذه المحطة أن الهياكل الفيدرالية في العراق ما هي إلا واجهة هشة سرعان ما تنهار فور حدوث أي زلزال سياسي، ليحل محلها فوراً منطق" المركزية القسرية" الذي يرفض الحلول الدبلوماسية ويُعلي شأن الأمر الواقع العسكري على سيادة القانون.

المحطة الرابعة- المناطق المتنازع عليها (الفراغ الإداري والجغرافي)تمثل المادة 140 من الدستور، التي وُضعت كمسار قانوني لحسم الهوية، قنبلة موقوتة جرى تجميدها عمداً لأكثر من عقدين.

في مناطق حساسة مثل سنجار، أدى غياب الإطار الإداري الموحد إلى تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية، وفصائل محلية، ووحدات من الجيش الاتحادي، وإدارة الإقليم.

إن غياب مسار التطبيع يعني غياب الأمن المستدام، حيث يعيش المواطنون في هذه المناطق حالة خانقة من عدم اليقين القانوني، فهم عالقون في فراغ تشريعي جعل من مناطقهم حواضن مثالية للتوترات الدائمة والمشاريع الجيوسياسية التي تقتات على هشاشة الدولة وغياب السلطة الموحدة.

ولعل استمرار إهمال تفعيل المادة 140 ليس سوى انعكاس لغياب المظلة المؤسساتية، فبدلاً من ترك هذه المناطق رهينة للفراغ الأمني والإداري، كان بإمكان (مجلس الاتحاد) أن يشكل المرجعية الدستورية الجامعة القادرة على إدارة ملفات التطبيع بحيادية، بعيداً عن صراعات الاستقطاب بين المركز والأقاليم.

إن هذا الفراغ لم يعد محلياً فقط، بل صار جزءاً من تعقيدات أمنية أكبر تربط حدود العراق مع الجوار الإقليمي.

المحطة الخامسة- البيشمركة (التناقض العقائدي والأمني)يظل التعريف الدستوري للمنظومة العسكرية الكوردية مصدراً لشرخ مؤسساتي عميق يضرب جوهر مفهوم الدفاع الوطني، حيث تبرز في هذا الملف سرديتان متناقضتان، فمن وجهة نظر بغداد، تُنظَر قوات البيشمركة كضرورة لتوحيد السلطة العسكرية تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، إذ تُلحُّ السلطة الاتحادية على دمجها بالكامل لضمان السيادة الوطنية ومنع وجود" جيش موازٍ" يضعف احتكار الدولة للسلاح.

وفي المقابل، تُعتبر البيشمركة من وجهة نظر أربيل" ضمانة وجود" أخيرة لا يمكن التنازل عن استقلاليتها في ظل التقلبات السياسية للمركز، وتُنظر إليها كـ" حائط صد" ضروري لحماية كيان الإقليم، وليس كقوة تمرد على السلطة الاتحادية.

إن هذا الخلاف هو انعكاس لأزمة ثقة جوهرية، إذ ترى بغداد في إصرار أربيل على استقلالية هذه القوات تهديداً لهيكلية الدولة، بينما تخشى أربيل أن يؤدي الدمج الكامل إلى تجريدها من أدوات الدفاع عن خصوصيتها الدستورية.

وتزداد هذه التعقيدات حدةً عند المقارنة مع ملف الحشد الشعبي، ففي حين تؤكد سردية بغداد على ضرورة خضوع الجميع لسلطة القائد العام، تُشير أربيل ومراقبون آخرون إلى ازدواجية في المعايير، إذ يُنظر إلى البيشمركة في الخطاب الاتحادي كقوة" خارجة عن السلطة"، بينما يتم التعامل مع فصائل الحشد كـ" ذراع داخل السلطة".

هذا التضارب في التكييف السياسي للقوى المسلحة أدى إلى تسييس الدفاع الوطني وتعدد مراكز القرار.

وبناءً على ذلك، فإن غياب معيار وطني موحد للتعامل مع هذه القوى المسلحة غير التقليدية هو ما يُكرس مفهوم" الجيوش الموازية"، ويمنع تحويل القوات المسلحة إلى مؤسسة مهنية بعيدة عن الصراعات السياسية، ليبقى الدفاع الوطني رهينة لحالة" استنفار دائم" ومتبادل بين مكونات سياسية تفتقر إلى الثقة المتبادلة.

المحطة السادسة- المنافذ الحدودية (صراع السلطة والسيادة)تُمثل المنافذ الكمركية المورد الاقتصادي الثاني بعد النفط، مما يجعل الصراع على إدارتها معركةً وجودية تمس جوهر" الاستقلال المالي".

لقد أدى تضارب الصلاحيات الدستورية، كما يتجلى في إدارة منفذ إبراهيم الخليل، إلى فوضى إدارية مزمنة، حيث تحولت حالة" تداخل الصلاحيات" هذه إلى مناخ خصب للفساد.

ففي ظل غياب آلية تنسيق قانونية رصينة، تُستغل الفجوات التشريعية لتسهيل التهريب والتهرب الضريبي، مما يُحول الحدود من بواباتٍ للتنمية إلى ثغرات تستنزف موارد الدولة وتُضعف السيادة الوطنية.

إن فوضى المنافذ هذه ليست سوى النتيجة المباشرة لغياب" مجلس الاتحاد"؛ فلو وُجدت هذه الغرفة التشريعية الثانية، لكانت هي المظلة التي تضمن التنسيق التشريعي العالي، ولأدارت ملف المنافذ وفق قوانين ناظمة تراعي خصوصية الأقاليم ضمن المصلحة الوطنية الشاملة، بدلاً من إبقاء الدولة رهينةً لاتفاقات سياسية هشة ومؤقتة.

ونتيجة لذلك، فإن غياب هذه الرؤية الجمركية الموحدة لا يضر بالخزينة فحسب، بل يُقوض قدرة الدولة على ضبط حدودها الدولية وحمايتها من الاختراقات الأمنية المتزايدة.

الفيدرالية كفكرة وليست" مؤسسة"يخلص هذا التحليل إلى أن العراق يعيش اليوم حالة" ديكور الفيدرالية" لا جوهرها، فغياب" مجلس الاتحاد" -الغرفة التشريعية الثانية- يعني أن أقاليم العراق ومحافظاته تفتقر إلى صوت مؤسساتي حقيقي في صياغة التشريعات، مما يدفع بالخلافات لتُحل في" الغرف المظلمة" وبين القادة الحزبيين بدلاً من قاعات المحاكم أو البرلمان.

إن استعراض هذه المحطات الست يكشف أننا لا نواجه عجزاً في التشريعات بقدر ما نواجه أزمة في" عقيدة الحكم"، حيث تظل الدولة المدارة عبر" التوافقات الموسمية" بدلاً من" المؤسسات الصلبة" محبوسةً في حالة تجميد دائم لأزماتها البنيوية.

إن المأزق العراقي ليس قدراً محتوماً، ولكنه نتيجة لخيارات سياسية استسهلت الحلول التوافقية على حساب بناء دولة المؤسسات.

والتغيير المطلوب اليوم ليس مجرد تعديل للمواد الدستورية، بل هو انتقال شجاع من" دولة المكونات والاتفاقات الموسمية" إلى" دولة المؤسسات الصلبة".

إن تفعيل" مجلس الاتحاد" هو -من وجهة نظري- صمام الأمان الذي سيمنع تحول كل اختلاف إداري في المستقبل إلى صراع وجودي.

ختاماً، إن الفيدرالية العراقية تقف عند مفترق طرق: فإما أن تتحول إلى مؤسسة وطنية جامعة، أو تظل مجرد" مشروع مؤجل" للفوضى.

والقرار هنا ليس قانونياً فحسب، بل هو قرار إرادة سياسية تدرك أن بقاء العراق ككيان موحد يعتمد على قدرتنا على ترميم هذا" العهد الممزق" قبل أن ينهار النظام بالكامل، فما لم يحدث انتقال جذري من عقلية" إدارة الأزمة" إلى عقلية" تأسيس القانون"، سيظل العراق رهينةً لهذا الفخ البنيوي، حيث يتحول أي اختلاف إداري بسيط إلى تهديد وجودي لا يعرف أحد متى قد يؤدي إلى انفجار لا تُحمد عقباه.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك