في كشفه لما لحق به كمدع عام للمحكمة الجنائية الدولية، أظهر كريم خان رسالة الوعيد والتهديد المافيوية التي استلمها من اثني عشر سيناتوراً أمريكياً، باستهدافه واستهداف أفراد عائلته، إن لم يتوقف هو وزملاؤه قضاة المحكمة عن إصدار أحكام بارتكاب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، من قبل بعض القادة الصهاينة في الكيان الصهيوني.
وهي رسالة مساندة بالطبع للعقوبات الشخصية التي أصدرها بحقهم الرئيس الأمريكي ترامب ونظام حكمه منذ أكثر من عام.
لكن كريم خان، وبشجاعة الرجل النبيل، أنهى ذلك الكشف بتصريح بالغ الأهمية والخطورة عندما قال «إن السلطة الأخلاقية للدول بدأت تتفتّت.
وإنه إذا لم يكن لدينا قانون فماذا يتبقّى؟ ».
إنها إعلان نعي نهاية النظام الأخلاقي الدولي، ليتبع إعلانات بكائيات ونعي متلاحقة، عبر العقود القليلة الماضية، بموت الحداثة وقيم الأنوار، وتشوه الديمقراطية واقترابها من الموت، وسقوط مبدأ العدالة الاجتماعية بموت الاشتراكية، وهزال وقلة حيلة نقابات العمال وتفتّتها واختراقها، وتراجع الكيانات الاجتماعية المحلية من أجل التهيئة لابتلاعها من قبل النظام العولمي النيوليبرالي، وإعلان موت مكون الأيديولوجيات في الحياة السياسية، لتحل محلها الاستقلالية الذاتية الفردية الأنانية الاستهلاكية، الخاضعة لمنطق ونظام السوق وحده، واقتراب التركيبة التاريخية العائلية من الضياع، من أجل إحلال كل أنواع الانحرافات الجنسية لتكون هي أساس العلاقات البشرية، والآن بدأت أصوات ونعي كل المهن والتخصصات البشرية، تمهيداً لمجيء الروبوتات وشتى أنواع مداخل الذكاء الإصطناعي، وأصبح عتاة الثروات والسلطات وعبيدهم، ينادون بتقليص أو إماتة الملايين من الذين سيهيمون، نتيجة لذلك، في صحارى البطالة وعدم الحاجة لهم.
وينتهي البعض بإعلان موت المجتمعات المدنية، تنظيماً وعلاقات وعيشا مشتركا وحقوقا مدنية.
أصبح عتاة الثروات والسلطات وعبيدهم، ينادون بتقليص أو إماتة الملايين من الذين سيهيمون، نتيجة لذلك، في صحارى البطالة وعدم الحاجة لهممواكب النعي والبكائيات تلك نشاهدها ونسمعها يومياً في شتى ساحات الحياة الغربية الحضارية، إنها محاولة إماتة حضارة، من دون وجود من يرفض هذا المصير الذي تريد هذه الأقلية الفكرية، أو المصلحية، أو تلك فرضه على العالم المشغول ببلادات ونكات وأكاذيب وإشاعات وسائل التواصل الاجتماعي، والركض وراء مهرجانات الغناء والرقص والرياضة، يركضون وراءها حتى لا يرون تلك الصور البائسة لما آلت إليه أوضاع العصر، من حروب وصراعات وتيه عاطفي وفكري وروحي.
تجاه كل ذلك أليس من واجبنا، نحن أمة العرب وعالم المسلمين، أن نطرح على أنفسنا أسئلة بشأن كل مواكب البكائيات والنعي تلك؟ماذا عن الحداثة التي نريدها، ونوع الديمقراطية، التي نسعى للانتقال إليها، والنظام الاقتصادي والمالي الذي ينسجم مع قيمنا ومع تطلعاتنا القيمية الإنسانية والأخلاقية، والمؤسسات التي نريد إصلاحها وإبقاءها في حياتنا والتخلص من تلك التي لا نريد؟ إلى غير ذلك من مئات الأسئلة الذاتية غير الخاضعة وغير المقلّدة من قال إن تاريخنا وتراثنا لا يملكان بعضاً من الإجابات، وأن ليس لدينا من المحاولات والأيديولوجيات الذاتية الحديثة الموضوعية والعقلانية والمتوازنة التي نستطيع أن نفتّش فيها عن الكثير من الحلول؟نحتاج الإجابة على مثل تلك الأسئلة بصدق وشجاعة لنواجه المحاولات الاستعمارية الأمريكية – الصهيونية المستمرة، خصوصاً في السنين الأخيرة، من أجل تشويه الذاكرة الجمعية لشعوب أمتنا، وعلى الأخص شاباتنا وشبابنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك