لم يعد السؤال في لبنان اليوم متى يثبت وقف إطلاق النار، بل كيف يمكن منع تكرار الحرب.
فمنذ دخول التهدئة حيز التنفيذ، انتقل النقاش تدريجياً من وقف المواجهة العسكرية إلى ملف أوسع: استعادة الدولة لدورها الكامل، وحصرية السلاح بيدها، وبسط سلطتها على كامل أراضيها، بحيث تكون وحدها بمؤسساتها الشرعية صاحبة قرار الحرب والسلم.
هذا التحول ظهر بوضوح في مواقف الرئيس اللبناني جوزيف عون، الذي شدد على أن لبنان أمام خيار واضح بين حصرية السلاح بيد الدولة أو البقاء تحت منطق الميليشيات، في تأكيد يعكس عودة ملف السيادة إلى صدارة الأولويات اللبنانية.
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي أن اتفاق الإطار مع إسرائيل برعاية أمريكية يمثل انتصاراً للحل الدبلوماسي وتغليباً لمنطق الدولة، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بوقف النار، بل بترسيخ مرجعية المؤسسات الرسمية.
لكن الصورة في المقابل لا تبدو محسومة.
فإسرائيل تؤكد أن وقف إطلاق النار لا يعني نهاية وجودها العسكري أو توقف عملياتها الأمنية.
فقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، خلال زيارته جنوب لبنان، أن إسرائيل لن تنسحب ما دام «حزب الله» محتفظاً بقدراته العسكرية، فيما أكد وزير الدفاع يسرائيل كاتس أن القوات الإسرائيلية ستبقى في «المناطق الأمنية» في لبنان وسوريا وغزة حتى إشعار آخر.
وبين هذين المسارين، تبدو الدولة اللبنانية أمام اختبار معقد.
فهي مطالبة داخلياً وخارجياً بتعزيز سيادتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها، لكنها في الوقت نفسه تتحرك ضمن توازنات سياسية وأمنية دقيقة، تجعل تنفيذ هذا الهدف مساراً تدريجياً لا قراراً فورياً.
ولهذا، لم تطرح الحرب الأخيرة سؤالاً جديداً على لبنان، لكنها أعادت إلى الواجهة واحداً من أكثر الأسئلة إلحاحاً في تاريخه الحديث: هل يمكن أن يستقر البلد قبل أن تُستعاد الدولة؟فالملفات المطروحة اليوم، من تثبيت وقف النار إلى إعادة الإعمار، ومن دعم الجيش إلى استعادة الثقة العربية والدولية، تبدو مرتبطة بعنوان واحد: قدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها كمرجعية وحيدة للقرار الأمني والسياسي.
وبذلك، لم يعد وقف إطلاق النار نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة، عنوانها اختبار الدولة اللبنانية نفسها، وقدرتها على تحويل التهدئة من اتفاق أمني هش إلى فرصة لإعادة بناء الاستقرار على قاعدة السيادة والمؤسسات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك