لم يكن قلبي وحده الذي اضطرب في تلك الليلة، كان هناك شيء أعمق من الخفقان نفسه، شيء يشبه أن يستيقظ داخلك فجأة إدراك حاد بأنك لست فرداً عادياً يشاهد حدثاً سياسياً، إنما جزء صغير من جسد أكبر منك بكثير.
جسد اسمه مصر.
كنت أتابع خطاب الفريق أول عبدالفتاح السيسي في الثالث من يوليو 2013، بعد أيام من الثلاثين من يونيو، وكأنني أتابع لحظة انتقال وطن كامل من مرحلة إلى أخرى دون أن يعرف أحد كيف ستبدو ملامحه الجديدة، لكن الحقيقة أنني لم أكن أتابع خطاباً، كنت أتابع وطناً يحاول أن يمنع نفسه من الانكسار.
في تلك اللحظة، لم تكن اللغة سياسية، ولا الجمل مرتبة كما في الكتب، كانت اللغة شيئاً آخر تماماً، خليطاً من القلق، والانتظار، والرجاء، وصمت ثقيل يسبق قراراً أكبر من قدرة الكلمات على حمله، كان الليل مختلفاً، كأنه توقف قليلاً كي يصغي، والزمن نفسه بدا مُتردداً، لا يعرف هل يمضي إلى الأمام أم يتراجع خطوة ليرى ماذا سيحدث لهذا البلد.
كل كلمة كانت تصلني كأنها تمشي على أطراف أصابعها فوق قلبي، لم أكن أفهمها بعقلي وحده، كنت أستقبلها بإحساس إنسان يشعر بأن وطنه كله معلق على حافة سؤال واحد: هل نستطيع أن نستمر؟لكن قبل أن أصل إلى تلك اللحظة، كانت مصر قد بدأت حكايتها مع الألم قبل ذلك بوقت طويل، منذ يناير 2011، حين خرج الناس إلى الشوارع لا ككتلة واحدة، لكن كآلاف الأحلام المختلفة التي اجتمعت فجأة على رغبة واحدة: أن يكون المستقبل أوسع من الماضي، غير أن الأحلام، حين تهبط إلى الأرض، لا تعيش دائماً بالشكل الذي رسمه أصحابها، تتشابك، تتصادم، تتعب، ثم تبحث عن معنى جديد لنفسها.
ومع مرور الوقت، دخلت مصر مرحلة سياسية شديدة التعقيد، صعدت فيها قوى وتنظيمات، على رأسها جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية التي وصلت إلى الحكم في انتخابات 2012، وسط جدل مجتمعي واسع لم يتوقف منذ اللحظة الأولى حول شكل الدولة، وطبيعة الحكم، وحدود المشاركة، ومعنى الهوية نفسها.
لم يكن الاختلاف يومها مجرد خلاف في الرأي، كان اختلافاً في الإحساس بالمستقبل، وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود الناس يناقشون فقط، إنما يبدأون في الشعور بالخطر، ومع تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية وتزايد الاستقطاب، بدأت المسافة بين الناس تكبر، حتى صار الوطن الواحد يبدو كأنه يُرى من أكثر من نافذة، وكل نافذة تحكي قصة مختلفة.
ثم جاءت الثلاثين من يونيو، ولم تكن مجرد يوم، كانت لحظة خرج فيها الشعور من الصدور، إلى الشوارع دفعة واحدة، لم يخرج الناس لأنهم كانوا متفقين على كل شيء، لكن لأنهم وصلوا إلى نقطة أصبح فيها الخوف على الوطن أكبر من الخلاف حوله، فالميادين لم تكن ساحات سياسية، لكنها كانت ذاكرة مفتوحة.
كل وجه هناك كان يحمل سبباً لا يراه الآخر، لكن الجميع كان يشترك في إحساس واحد لا يحتاج إلى شرح، هو أن مصر تمر بلحظة لا يجوز أن تترك للصدفة، رجل يقف وكأنه يثبت أن الوطن ما زال قائماً، امرأة ترفع دعاءها بصمت لا تسمعه الكاميرات، شاب يشعر أن مستقبله يقف معه في الزحام نفسه، وآخرون لا يملكون تفسيراً واضحاً لما يحدث، لكنهم يشعرون بثقل اللحظة على قلوبهم، لم يكن المشهد سياسياً فقط، كان إنسانياً إلى حد الارتجاف، فالأوطان لا تسقط في البيانات، لكنها تسقط في قلوب الناس، أو تنهض فيها.
ثم جاء الثالث من يوليو، وهنا بدأت اللحظة التي لا يمكن روايتها كحدث، جلست أمام الشاشة أتابع خطاب الفريق أول عبدالفتاح السيسي، لكنني لم أكن وحدي، كان معي شعور غريب بأن البلد كله يتابع في اللحظة نفسها، بصمت واحد، وبأنفاس محبوسة، وبأسئلة لا يجرؤ أحد على قولها بصوت مرتفع، لم تكن الكلمات هي ما يصغي إليه الناس فقط، كانوا يصغون إلى ما وراء الكلمات، إلى مصير، إلى اتجاه، إلى احتمال أن تبدأ مصر من جديد أو تدخل في مجهول أطول مما يحتملونه.
في تلك اللحظة، شعرت بأن الوطن ليس فكرة كبيرة ندرسها في الكتب، إنما كائن حيّ، يتنفس من خلالنا، ويقلق بنا، ويهدأ حين نطمئن، ويضطرب حين نضطرب، ولهذا لم يكن خوفي سياسياً، كان خوفاً بسيطاً، بدائياً، يشبه خوف إنسان على بيت قديم يعرف أن كل جدار فيه يحمل ذكرى من عمره، فهمت يومها أن الوطن ليس المكان الذي نعيش فيه فقط، بل المكان الذي يعيش فينا.
بعد تلك الليلة، لم تعد مصر بالنسبة لي كما كانت، لم تعد خبراً يومياً، ولا جدلاً في الأخبار، صارت إحساساً داخلياً لا يهدأ، شيئاً يشبه القلب الآخر الذي نحمله دون أن نراه، ومع مرور السنوات، هدأت الأصوات قليلاً، لكن الأثر لم يهدأ، وبقي ذلك السؤال الكبير معلقاً في الخلفية: كيف يمكن لوطن بحجم التاريخ أن يمر من كل هذا ولا يفقد نفسه؟ثم أدركت الإجابة شيئاً فشيئاً، أن مصر دائماً تبقى، ليس لأنها لا تنكسر، لكنها تبقى لأنها كلما انكسرت، عرفت كيف تجمع نفسها من جديد، تتألم، نعم، لكنها لا تختفي، تختلف، نعم، لكنها لا تضيع، تتعب، نعم، لكنها لا تتخلى عن حقها في أن تبدأ من جديد.
واليوم، حين أعود إلى تلك اللحظة التي كنت أتابع فيها خطاب الثالث من يوليو، أراها كذاكرة إنسانية، أرى إنساناً كان يخاف على وطنه دون أن يعرف إن كان هذا الخوف سيقوده إلى طمأنينة أم إلى سؤال أكبر، وأدرك أن بعض اللحظات لا تمر، إنما تمرّ بنا نحن، وتترك فينا أثرها إلى الأبد، وكانت تلك واحدة منها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك