يعانى نقاد الأدب من قلة المردود المادى للجهد الذى يبذلونه فى كتاباتهم النقدية، فكثير من الدوريات التى تنشر أعمالهم لا تدفع مكافآت، وكذلك الصفحات الثقافية أو المختصة بنقد الكتب وعروضها فى الجرائد والمجلات، بل إن الدوريات المختصة فى هذا الشأن، والتى تصدرها أقسام اللغة والآداب فى مختلف الجامعات العربية لنشر بحوث الترقى تطلب من الباحثين والنقاد دفع مبالغ مالية لقاء هذا.
وفى الندوات الأدبية يصبح النقاد هم الأكثر تضحية، فالواحد منهم يقرأ رواية قد تكون طويلة جداً، فتستغرق منه أياماً فى القراءة، وساعات فى تدوين الملاحظات والرؤى والأفكار، ومثلها فى حضور الندوة وتقديم المداخلة، دون أن يكون لهذا أى عائد مادى، وحتى العائد المعنوى يأتى ضعيفاً قياساً إلى ضآلة حضور مثل هذه الندوات كما نعرف جميعاً، وكذلك إلى تعامل بعض الكتاب مع النقاد على أنهم ضيوف ثقلاء، إن كانوا من بين الذين لا يواربون الحديث حول نص ما، ولا يجاملون صاحبه.
فضلاً عن هذا فإن دور النشر لا تقبل على نشر الكتب النقدية، أو تتعامل معها بفتور على اعتبار أن قراءها قلة، فإن وجدوا فهم من بين الباحثين، خصوصاً من بين الجامعيين.
ولهذا وجدنا كبار النقاد العرب يجدون صعوبة فى نشر كتبهم، فإن تيسر أمامهم طريق النشر، فإن المطبوع قد لا يكون بالعدد نفسه الذى تطبع به الروايات مثلاً، وفى كل الأحوال يكون المردود المادى لقاء النشر ضعيفاً أو معدوماً، بل إن بعض الناشرين يطلبون من الناقد إسهاماً مالياً شرطاً للطباعة، بدعوى أن الكتب النقدية ضعيفة التوزيع، وبذا يصبح نشرها هو خسارة مادية محققة.
ساهم كل هذا، إلى حد كبير، فى تهميش أغلب النقاد، اللهم إلا إذا كان بعضهم يستمد ذيوعه من روافد أخرى إلى جانب النقد، كأن ينخرط فى كتابة حول الشأن العام، أو له إلى جانب النقد أعمال إبداعية، أو يتولى رئاسة مؤسسة ثقافية بارزة.
وجاءت فكرة «موت الناقد»، حسب كتاب البريطانى رونان ماكدونالد الذى ترجمه فخرى صالح، لتزيد من هذا التهميش والظلم الذى يلحق بالنقاد.
فالكتاب يخبرنا بتراجع دور الناقد الأدبى بعد ازدهاره فى الغرب منذ منتصف القرن العشرين، وتحديداً عام 1948.
ففى نهاية سبعينات القرن نفسه، ومع الانتقال إلى ما بعد الحداثة، لم تعد هناك حاجة إلى النقد، كممارسة ذهنية مسئولة عن تحليل الأعمال الأدبية وإصدار حكم عليها، بل دخلت على النقد مفاهيم جديدة غيرت من محتواه وطرائقه وأدواته المنهجية.
وظهر جيل من القراء يعتمد ما تسعفه به ذائقته وليس ما يحدده له النقاد، الذين تحولوا من أناس بيدهم الحكم على قيمة الأعمال الأدبية إلى أشخاص محل مساءلة من الجمهور الذى صار قوة مسيطرة بعد ثورة الطلاب فى أوروبا عام 1968، بل محل استهجان لما تتسم به كتابات النقاد من تعقيد ومبالغة، أولى بها الحياة الأكاديمية داخل أسوار الجامعات، وبذا تخلص جمهور عريض من النقاد، وسط زعمه بأنه قادر بمفرده على تقييم ما يستهلكه من مختلف ألوان الثقافة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك