في لحظة تاريخية فارقة، يجد لبنان نفسه مجددا في مهب الريح، مع الإعلان عن" الاتفاق الإطاري" الثلاثي في واشنطن بين الحكومة اللبنانية ودولة الاحتلال برعاية أمريكية.
هذا الاتفاق، الذي تسوّق له حكومة لبنان كطوق نجاة لإنهاء الحرب مع الاحتلال، فتح سجالا كبيرا ومعه جروحا كبيرة لم تندمل بعد.
فقد عاد معه شبح" اتفاق 17 أيار" عام 1983، التطبيعي الذي وقّعته الحكومة اللبنانية برئاسة أمين الجميل آنذاك مع" إسرائيل" برعاية أمريكية، وذلك في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
ثم سرعان ما تحول الاتفاق الى" لعنة" فجرت البلاد الغارقة في دوامة حربها الأهلية.
لا ينفصل الاتفاق الإطاري لعام 2026 عن سياق العدوان الإسرائيلي المستمر منذ مارس 2026، والذي خلّف دمارا هائلا ونزوحا مليونيا، حيث سعت تل أبيب من خلاله إلى تحقيق ما عجزت عنه طيلة الفترة الماضية في الجنوب اللبناني أي ربح" مكاسب سياسية وأمنية" طويلة الأمد.
وتكمن خلفية الاتفاق في الرغبة الأمريكية-الإسرائيلية في تفكيك" محور المقاومة" من الداخل اللبناني عبر استغلال الإنهاك الذي أصاب البنية التحتية والبيئة الحاضنة للحزب.
يهدف الاتفاق إلى تجاوز معضلة" الانسحاب الكامل" التي كانت شرطا لبنانيا تقليديا، واستبدالها بـ" مناطق تجريبية" وإجراءات أمنية صارمة، مما يمنح" إسرائيل" سلطة" الفيتو" على الانتشار العسكري اللبناني في الجنوب.
إن هذه الخلفية تشير إلى استراتيجية أمريكية تهدف لإعادة هندسة هوية لبنان السياسية، بنقله من دولة كانت تنظر للجنوب كساحة" مقاومة" ضد الاحتلال، إلى دولة" ضبط أمني" تعمل وكيلا للحفاظ على أمن الحدود الشمالية لإسرائيل، وهو ما يفسر حدة الرفض الداخلي للاتفاق، إذ يراه معارضوه تفريطا في السيادة الوطنية، وتطبيعا غير معلن ينسف جوهر الهوية اللبنانية المقاوِمة، ويضع البلاد أمام مخاطر الانزلاق إلى صدام أهلي لفرض بنود هذا الاتفاق على الأرض.
مع هذا الاتفاق الجديد وما فتحه من سجال كبير يبدو وكأن التاريخ يعيد نفسه.
ففي عام 1983، كان الرهان على" الوساطة الأمريكية" والشروط الإسرائيلية مدخلا لإحكام الطوق حول لبنان.
يومها، أدى فرض ذلك الاتفاق قسرا إلى تصدعات عميقة في بنية المجتمع والدولة، وانتهى بمواجهة مسلحة ورفض شعبي جارف، بلغ ذروته باغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل، ومن ثم انهيار المعاهدة تحت ضغط" انتفاضة 6 شباط / فيفري" ورفض القوى الوطنية والعمق العربي.
اليوم، يجد المراقب للمشهد اللبناني أن السيناريو يتكرر برداء مختلف.
فالاتفاق الإطاري الجديد يُعيد استحضار مخاطر" الارتهان للخارج الصهيوني" تحت مسمى" الترتيبات الأمنية"، ليضع الدولة اللبنانية في مواجهة مباشرة مع بيئتها ومقاومتها، وكأن البلاد محكومة بالتكرار المأساوي ذاته.
يكمن الخطر الحقيقي في" التطبيع المقنع".
فالتطبيع مع الكيان الصهيوني في لبنان هو" لعنة" بنيوية تلاحق كل من حاول اختراق الثوابت الوطنية.
إن هذا الاتفاق، إذا ما قُدر له أن يُنفذ، فإنه يحول لبنان إلى" محمية أمنية" تابعة للرؤية الإسرائيلية، حيث يُعرّف النص" المقاومة" بوصفها" تهديدا" و" سبب الصراع"، لا الاحتلال.
هذا الانقلاب في المفاهيم هو أخطر ما في الاتفاق، فهو يمنح دولة الاحتلال غطاء دوليا للبقاء، ويحول الجيش اللبناني إلى أداة تنفيذية لضبط الحدود وفق الرؤية الصهيونية، مما يمهد الطريق لصدام أهلي داخلي لا تحمد عقباه.
لا يغيب عن الذهن أن السلطة اللبنانية، في سعيها المحموم للتخلص من الارتباط الإيراني بأي ثمن، قد وقعت في فخ الوصاية الصهيونية.
فجعل الولايات المتحدة المرجعية التنفيذية لهذا الاتفاق يسلب لبنان قراره السيادي بالكامل، ويحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات.
إن المآلات المتوقعة لهذا الاتفاق تنذر بما هو أسوأ من مجرد الانقسام السياسي، لعل أخطرها زعزعة السلم الأهلي فمحاولة نزع سلاح المقاومة اللبنانية قسرا، وبغض النظر عن أية توازنات وطنية، تعني استدراج البلد إلى حرب داخلية تكرر مآسي 1975 أو 1983.
وعندما تفقد الدولة قدرتها على تمثيل إرادة كل شعبها، وتصبح" ضابط أمن" في المنطقة الأمنية التي يطالب بها مجرم الحرب نتنياهو، فإنها تفقد مبرر وجودها وهيبتها.
كما ان أي التزام يتجاوز الإجماع الوطني ويضرب الثوابت التاريخية (رفض التطبيع) سيظل" لعنة" تلاحق أصحاب الاتفاق، ومصدرا دائما لعدم الاستقرار، تماما كما طاردت" لعنة 17 أيار" كل من تورط في تسويقها.
إن دروس التاريخ واضحة، فلبنان محكوم بلعنة الجغرافيا التي جعلته في قلب الصراع الوجودي مع الاحتلال الصهيوني.
فقد عرف بلد الأرز في تاريخه الحديث والمعاصر حروبا أهلية متعددة الأشكال والارتهانات والمسارات لكن في كل مرة يبدو أن اللبنانيين لم يتعلموا درس الدم.
الأكيد ان لبنان اليوم أحوج ما يكون الى" طائف" جديد وميثاق وطني يعيد الإحكام بمفاصل القرار اللبناني بعيدا عن اصطفافات الداخل والخارج وبعيدا عن الأجندات الصهيونية التي تعمّق الانقسام.
لا شك ان الاتفاق الإطاري الحالي مع الصهاينة يضع لبنان على حافة الهاوية، فإما أن تعي السلطة السياسية أن التاريخ لا يرحم، فتتراجع عن هذا المسار المأزوم، أو أن تجرّ البلاد إلى" لعنة" جديدة قد تكون هذه المرة هي القشّة التي تقصم ظهر الكيان اللبناني الهش.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك