العربي الجديد - الولايات المتحدة تتوقع قمة "ناجحة للغاية" لحلف ناتو روسيا اليوم - عضوان في الكونغرس الأمريكي يحذران "قوات الدعم السريع" في السودان من مغبة الهجوم على الأبيض روسيا اليوم - روته يعترف بـ"خيبة أمل أمريكية" من موقف أوروبا تجاه إيران العربي الجديد - لبنان | تأكيد لبناني على انسحاب إسرائيل ونتنياهو يرفضه روسيا اليوم - مكمل غذائي طبيعي يساعد في محاربة ضعف الإدراك العربي الجديد - ناصيف زيتون ومحمد الدايخ... "هدية" في حي شعبي روسيا اليوم - مصدر لـ"رويترز": دول الناتو عاجزة عن تعويض القاذفات الاستراتيجية الأمريكية قناة التليفزيون العربي - بعد اكتمال تشكيله.. كيف سيؤثر مجلس الشعب الجديد في المشهد السوري؟ العربي الجديد - اقتصاد الإمارات يدفع فاتورة الحرب قناة الجزيرة مباشر - نقاش الساعة | مباحثات الدوحة وهندسة التفاوض بين أمريكا وإيران
عامة

هل يقضي هرمز على أمريكا؟

الوطن
الوطن منذ 1 ساعة

في عام 1956، قضت قناة السويس على إمبراطوريتين كبيرتين كانتا الأكبر في مجال الاستعمار، وإحداهما -وهي بريطانيا- كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، أي أن الشمس كلما انتقلت من مكان إلى آخر كان يوجد تحتها...

في عام 1956، قضت قناة السويس على إمبراطوريتين كبيرتين كانتا الأكبر في مجال الاستعمار، وإحداهما -وهي بريطانيا- كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، أي أن الشمس كلما انتقلت من مكان إلى آخر كان يوجد تحتها علم بريطاني وأرض مستعمرة من بريطانيا، وهي الإمبراطورية التي كسرت حواجز المعايير الاستراتيجية؛ لأنها جزيرة ذات مساحة صغيرة، لكنها احتلت نسبة كبيرة من اليابسة.

والآن، يدور الحديث في كل مكان عن هرمز وما يمكن أن يتسبب فيه لأمريكا.

فقد صار مضيق هرمز عقدة في الحرب بين أمريكا وإيران، وصار الباحثون والخبراء يرون فيه عقدة لأمريكا قد يصعب حلها، وإذا لم يتم حلها فإنه قد يتحول إلى مسمار كبير في نعش الإمبراطورية الأمريكية.

لنتذكر كيف كانت الإمبراطورية الرومانية التي احتلت لكامل أوروبا تقريبًا وجعلت من البحر المتوسط بحيرة رومانية، كانت نهايتها على أيدي القبائل الجرمانية التي هاجمت الإمبراطورية في الأطراف فاستنزفتها، وصارت تستقطع منها المساحات تلو الأخرى حتى انهارت الإمبراطورية.

وأذكر ذلك لأن حماية الأطراف ليست بالأمر السهل حتى على الإمبراطوريات، رغم أن روما كانت تتحرك في مساحات لا تقارن بما تتحرك فيه أمريكا الآن، حيث تغطي أساطيلها محيطات وبحار العالم كله.

الأزمة التي تواجه كل الإمبراطوريات بعد وصولها إلى أوج قوتها، كيفية الحفاظ على توهجها وتألقها أمام العالم.

في العقود الأخيرة، زاد انتشار القوات الأمريكية في كل بقاع الأرض، وهو ما يحملها أعباء ونفقات طائلة، وبحكم عوامل تطور الدول كما تتطور الكائنات، سيأتي الوقت الذي تجد أمريكا نفسها تستنفد طاقاتها وقوتها.

الدخول في حروب بشكل متواصل أحد عوامل الاستنزاف واستنفاد القوة.

ليست المشكلة أن تبدأ الحروب، إنما أن تتحول الحروب إلى حالة دائمة، وأن يصبح الاستثناء القاعدة، وأن تجد القوة العظمى نفسها تستيقظ كل صباح على جبهة جديدة، أو أزمة جديدة، أو تهديد جديد، حتى يصبح السلام مجرد هدنة قصيرة بين جولتين من الصراع.

هنا لا نسأل عن نتائج المعارك، إنما عن مصير القوة نفسها، وعن الثمن الذي تدفعه لكي تبقى على قمة النظام الدولي.

تبدو المواجهة المتجددة بين أمريكا وإيران في ظاهرها صراعًا على النفوذ في الخليج، لكن حقيقتها أوسع من ذلك بكثير.

إنها فصل في الصراع التقليدي بين قوة بحرية عالمية ترى أن أمن التجارة الدولية جزء من أمنها القومي، ودولة إقليمية تدرك أن الجغرافيا سلاح يفوق في تأثيره أحدث الترسانات العسكرية.

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، إنما عقدة استراتيجية يلتقي عندها الاقتصاد بالطاقة بالسياسة، من يملك القدرة على تهديد هذا الممر يمتلك ورقة ضغط تتجاوز الإمكانات العسكرية.

أخطر ما في هذا الصراع أنه لا يسمح لأحد بالانتصار الكامل، ولا يستطيع أحد تحقيق الانتصار الكامل، كما لا يفرض على أحد الهزيمة الكاملة.

أمريكا يمكنها أن توجه الضربات وأن تستعرض تفوقها العسكري والتقني، لكنها لا تستطيع أن تمحو الجغرافيا، ولا أن تغير حقائق التاريخ، ولا أن تنهي الصراعات المتجذرة بضربة جوية أو بحرية.

إيران تستطيع أن تزعج وأن تربك وأن ترفع تكلفة الوجود الأمريكي، لكنها لا تملك القدرة على إقصاء أمريكا عن المسرح الدولي أو تغيير ميزان القوى العالمي بمفردها.

هكذا تستمر المواجهة في دائرة مغلقة، يربح فيها الجميع جولات إعلامية، ويخسر الجميع سنوات من الزمن.

التاريخ لا يقدم وصفات جاهزة للخروج بحلول لمثل هذه المشاكل، لكنه يقدم إشارات لا يجوز تجاهلها.

الإمبراطوريات لا تفقد مكانتها في اللحظة التي تهزم فيها، إنما في اللحظة التي تصبح فيها مطالبة بالقتال في أكثر من اتجاه، والإنفاق على أكثر من جبهة، والاستجابة لأكثر من أزمة في الوقت نفسه.

إنها معادلة يعرفها المؤرخون، فكل توسع يحمل داخله تكلفة خفية، وكل نفوذ واسع يحتاج إلى طاقة متجددة للمحافظة عليه، فإذا زادت كلفة الحماية على عائد النفوذ بدأت علامات الإرهاق تظهر، حتى لو ظل المظهر الخارجي للقوة لم يتغير.

كانت روما في ذروة مجدها تبدو عصية على السقوط.

كانت طرقها تصل إلى أطراف العالم المعروف آنذاك، وكانت جيوشها تضرب في كل اتجاه، حتى خُيل لأهل عصرها أن الإمبراطورية خلقت لتبقى إلى الأبد.

لكن التاريخ كتب رواية أخرى.

لم تأتِ النهاية في معركة فاصلة، لم يسقط كل شيء في يوم واحد، بدأ التآكل من الأطراف، كانت الحدود تبتلع الجنود، تستنزف الخزائن، تفرض على العاصمة أن تنفق أكثر مما تجني، أن تدافع عن مساحات أصبح الاحتفاظ بها عبئًا يفوق قيمتها.

عندما أدركت روما حقيقة ما يجري، كان الإرهاق سبقها إلى قلب الدولة.

هذا لا يعني أن أمريكا تسير في الطريق نفسه، الفارق بين العصرين كبير، أدوات القوة تغيرت، ومصادر النفوذ لم تعد تقتصر على الجيوش.

ما زالت واشنطن تمتلك أكبر اقتصاد مؤثر، أقوى منظومة تحالفات، ريادة واسعة في التكنولوجيا والابتكار، فضلاً عن قيمة عملتها ومؤسساتها في الاقتصاد العالمي.

لكن هذه المزايا نفسها تفرض عليها التزامات عالمية ضخمة، وتجعل أي أزمة بعيدة تبدو وكأنها اختبار مباشر لمصداقيتها.

المفارقة تتجسد هنا، القوى الإقليمية تستطيع أن تكتفي بالصمود، أما القوة العظمى فلا يكفيها الصمود، إنها مطالبة دائمًا بالحسم.

إذا طال أمد الصراعات ولم يتحقق الحسم، بدأت صورة القوة تتعرض للاهتزاز، حتى وإن بقيت موازينها العسكرية راجحة.

في السياسة، كثيرًا ما تكون الصورة جزءًا من القوة نفسها.

التحدي الأكبر أمام أمريكا مستقبلاً، ليس إيران وحدها ولا الشرق الأوسط وحده، بل تراكم الأعباء في عالم يتغير بسرعة.

المنافسة المتزايدة في آسيا، والحروب الأوروبية التي ألقت بظلالها على الأمن العالمي، والتحولات الاقتصادية والتقنية التي تعيد توزيع مراكز النفوذ.

في هذا العالم، يصبح السؤال: كيف تستطيع قوة واحدة أن تبقى حاضرة في كل الساحات، دون أن يتحول انتشارها الواسع إلى عبء على قدرتها؟التاريخ لا يحكم على الإمبراطوريات من عدد انتصاراتها، إنما من قدرتها على التمييز بين ما يجب الدفاع عنه، وما يمكن الاستغناء عنه.

كل قوة تبلغ ذروة نفوذها تواجه في النهاية اختبار الحكمة أكثر مما تواجه اختبار القوة.

أخطر ما يواجه الإمبراطوريات ليس العدو الذي يقف أمامها، بل الإغراء الدائم بأن تكون موجودة في كل مكان، وأن تخوض كل معركة، وأن تتصدر نظامًا دوليًا بأكمله.

حين تبلغ الدول هذه المرحلة، يصبح السؤال عن مستقبلها مشروعًا، ليس لأن سقوطها أصبح حتميًا، لكن لأن التاريخ يذكرنا بأن القوة، مهما بلغت، ليست حالة أبدية، وأن الإمبراطوريات لا تقاس قوتها بما تستطيع أن تفعله، إنما بما تستطيع أن تتحمل كلفته عبر الزمن.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك