إيلاف من موناكو: فتح انفجار موناكو، الذي هزّ مساء الاثنين واحدة من أكثر البقع الأوروبية ثراءً وحراسة، باباً على عالم أقل بريقاً من واجهات الإمارة: عالم الأوليغارشيا الأوكرانية، العقوبات، المصالح العابرة للحدود، والانتقام المحتمل.
فالسلطات القضائية في موناكو أعلنت فتح تحقيق بتهمة «الشروع في اغتيال» بعد انفجار عبوة عند مدخل مبنى سكني، أسفر عن إصابة 3 أشخاص، بينهم اثنان في حال حرجة.
ولم تصنف السلطات الحادث، في هذه المرحلة، عملاً إرهابياً، كما لم تعلن رسمياً هوية المصابين.
لكن وسائل إعلام فرنسية، بينها «بي إف إم تي في»، نقلت معلومات أكدتها لاحقاً وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر قريب من التحقيق، تفيد بأن أحد المصابين هو رجل الأعمال الأوكراني الأصل فاديم إرمولاييف، المقيم في موناكو والخاضع لعقوبات من كييف بسبب أنشطة تجارية مرتبطة بشبه جزيرة القرم.
وقال رئيس حكومة موناكو ستيفان تيبو، في مؤتمر صحافي الثلاثاء، إن ما حدث غير مسبوق في تاريخ الإمارة، مشيراً إلى أن التحقيق يركز على فرضية الاستهداف المتعمد.
وبحسب ما أظهرته كاميرات المراقبة، ترك رجل حقيبة ظهر قرب مدخل المبنى قبل الانفجار، ثم فرّ سيراً باتجاه فرنسا، حيث تتعاون سلطات موناكو والشرطة الفرنسية في البحث عنه.
إرمولاييف، أو Vadym Iermolaiev، رجل أعمال أوكراني الأصل برز بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في مدينة دنيبرو الصناعية شرق أوكرانيا.
ووفق ما نقلته «فرانس24» عن ريهور نيجنيكاو، المتخصص في الشأن الأوكراني ودول ما بعد الاتحاد السوفياتي في المعهد الفنلندي للشؤون الدولية، كان إرمولاييف من أوائل رجال الأعمال النافذين في دنيبرو خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتراجع نفوذه تدريجياً.
اشتهر في بداياته بلقب «سيد المراكز التجارية» في دنيبرو، خصوصاً بعد افتتاح مجمع «موست سيتي» عام 2006، الذي عُد في حينه من أكبر المجمعات التجارية في أوكرانيا.
وامتدت أعماله إلى العقارات، الزراعة، النقل النهري، تصنيع غرسات الأسنان، وتجارة المشروبات الكحولية، عبر شركة أم حملت اسم «أليف».
وتقدر بعض التقارير ثروته بمئات ملايين الدولارات، لا بالمليارات بالمعنى الدقيق في التصنيفات الدولية الراهنة.
وذكرت «الغارديان» أن ثروته الشخصية تقدر بنحو 225 مليون دولار، فيما تضعه تقارير أوكرانية ضمن طبقة الأثرياء التي صعدت في تسعينيات ما بعد الاتحاد السوفياتي.
المنعطف الأكثر حساسية في سيرة إرمولاييف جاء من شبه جزيرة القرم.
فبعد ضم روسيا للقرم عام 2014، ثم الغزو الروسي الواسع لأوكرانيا عام 2022، أصبحت أي أنشطة تجارية في شبه الجزيرة ملفاً سياسياً وقانونياً شديد الحساسية.
وفي 2023، أدرجته كييف على قائمة العقوبات بسبب اتهامات تتعلق بمواصلة أنشطة تجارية في القرم، خصوصاً في قطاع الكحول ومزارع الكروم، وبما اعتبرته السلطات الأوكرانية مساهمة غير مباشرة في تمويل الاقتصاد المرتبط بروسيا.
وتفيد «فرانس24» بأن إرمولاييف كان قد غادر أوكرانيا قبل إدراجه على قائمة العقوبات، وتنازل عن جنسيته الأوكرانية لمصلحة الجنسية القبرصية في 2019.
وتقول قراءات أوكرانية إن مصيره يشبه مصير عدد من أثرياء التسعينيات الذين فقدوا جزءاً من نفوذهم بعد صعود فولوديمير زيلينسكي إلى السلطة.
حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي يؤكد الدافع.
السلطات تقول إن التحقيق في «الشروع في اغتيال»، لا في الإرهاب.
وهذا الفارق مهم تحريرياً وقانونياً.
فالهجوم قد يكون سياسياً، أو مالياً، أو مرتبطاً بحسابات شخصية أو إجرامية، لكن أياً من هذه الفرضيات لم يثبت بعد.
وتشير «الغارديان» إلى أن الأسئلة لا تزال مفتوحة بشأن سبب استهداف إرمولاييف، ناقلة عن مقربين منه قولهم إنه ليس شخصية سياسية بالمعنى المباشر.
في المقابل، ذهبت تقارير بريطانية وفرنسية إلى طرح فرضيات عدة، بينها صلات محتملة بالعقوبات الأوكرانية، أو أنشطة تجارية في القرم، أو حسابات إجرامية مرتبطة بشبكات مالية واحتيالية.
غير أن هذه الفرضيات تبقى غير محسومة.
وتزيد طبيعة العبوة من خطورة القضية.
فقد أفادت تقارير إعلامية بأن الحقيبة المفخخة احتوت على مسامير أو كرات معدنية، ما يشير إلى نية إيقاع إصابات جسيمة.
ووقع الانفجار عندما اقترب المصابون من مدخل المبنى، ما يعزز فرضية الاستهداف الشخصي.
موناكو ليست مجرد مسرح فاخرما يجعل القضية تتجاوز حادثاً أمنياً عابراً أن موناكو، الإمارة الصغيرة التي تعيش على صورة الثراء والأمان والضرائب المنخفضة، تحولت فجأة إلى مسرح لعنف سياسي أو مالي محتمل مستورد من فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي.
ففي مدن مثل موناكو ولندن ودبي وقبرص، لا يعيش الأثرياء الهاربون من الضرائب أو الحروب وحدهم، بل تنتقل معهم صراعاتهم: خصومات تجارية، عقوبات، أموال مشبوهة، علاقات مع دول، وعداوات قديمة لا تختفي عند بوابة المبنى الفاخر.
لهذا يبدو انفجار موناكو أكبر من حقيبة تُركت على عتبة منزل.
إنه يطرح سؤالاً أوسع: هل أصبحت الملاذات الأوروبية للأثرياء ساحات خلفية لحروب أوكرانيا وروسيا والمال الرمادي؟في حالة إرمولاييف، لا تزال الإجابة عند المحققين.
لكن المؤكد أن الهجوم كشف هشاشة صورة موناكو الآمنة، وذكّر بأن الثروة العابرة للحدود قد تحمل معها، إلى أكثر الأماكن تحصيناً، أعداءً لا تظهر أسماؤهم في دفاتر الفنادق ولا على واجهات المصارف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك