وفي هذا السياق، لم تعد القضية الأساسية مرتبطة بتوافر التمويل أو وجود توجهات سياسية داعمة لزيادة الإنفاق الدفاعي، بل أصبحت مرتبطة بمدى قدرة القطاع الصناعي العسكري على تلبية هذه المتطلبات وتحويلها إلى مشاريع ومنتجات فعلية.
وتتزايد أهمية هذا الملف مع اقتراب انعقاد قمة الناتو في أنقرة الأسبوع المقبل، حيث من المنتظر أن يناقش قادة الدول الأعضاء ما تحقق منذ القمة الماضية، إلى جانب بحث الخطوات اللازمة لتحويل التعهدات المعلنة إلى إنجازات عملية قابلة للقياس.
تواجه الدول الأوروبية مجموعة من الصعوبات التي تعرقل تسريع تطوير قدراتها الدفاعية، من بينها بطء إجراءات التعاقد، وتعدد المشروعات المنفصلة بين الدول، ونقص الأيدي العاملة، إضافة إلى الضغوط الواقعة على شبكات الإمداد.
ويثير ذلك تساؤلات بشأن قدرة القارة على استعادة طاقتها الإنتاجية العسكرية بعد سنوات طويلة من تقليص الإنفاق في هذا المجال.
وتزايدت هذه الضغوط عقب إعلان وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسث إجراء مراجعة للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، إلى جانب تحذيره الدول الحليفة التي لا تفي بالتزاماتها المالية داخل التحالف، بحسب ما أوردته شبكة CNBC يوم الأربعاء 1 يوليو.
وقال كبير الشركاء في" ماكينزي"، هيوج لافاندير، إن التحول في الموقف الأمريكي مثل نقطة فاصلة بالنسبة لأوروبا، مشيرًا إلى أن مرحلة" عائد السلام" أصبحت من الماضي، وأن الحكومات مطالبة بتوجيه مزيد من الموارد نحو تعزيز الإمكانات العسكرية.
وأضاف أن القطاع يمر بمرحلة جديدة أصبحت فيها القدرة على تنفيذ العقود وتحويلها إلى تصنيع فعلي وعوائد مالية ومعدلات ربح هي المعيار الأساسي، بدلًا من الاكتفاء بالنظر إلى حجم الطلبيات المسجلة.
وخلال الأسبوع الماضي، قررت ألمانيا إيقاف مشروع الفرقاطات F126 الذي تقدر قيمته بمليارات اليورو، بعد ظهور تأخيرات في التنفيذ وارتفاع متوقع في التكاليف، واتجهت بدلًا من ذلك إلى التعاقد على شراء ثماني فرقاطات أصغر حجمًا من شركة" تايسن كروب مارين سيستمز".
وأدى هذا القرار إلى تراجع أسهم شركة" راينميتال"، التي كانت مطروحة كأحد أبرز المستفيدين من المشروع.
كما أشار محللون في" جيه بي مورجان" إلى أن الحكومات تحتفظ بإمكانية تعديل توجهاتها وقراراتها في أي وقت.
أفاد تقرير صادر عن" ماكينزي" بأن حجم التجهيزات العسكرية المتاحة لدى الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الناتو ما زال دون المستويات المسجلة في عام 2021، نتيجة نقل جزء من المعدات إلى أوكرانيا، وخروج منظومات قديمة من الخدمة، إلى جانب المدد الطويلة المطلوبة للحصول على المعدات الحديثة.
كما أوضح التقرير أن تعدد النماذج والأنظمة العسكرية المستخدمة في أوروبا يفوق نظيره في الولايات المتحدة بنحو 4 مرات، وهو ما ينعكس على كفاءة التنسيق التشغيلي والدعم اللوجستي.
وأشار هيوج لافاندير، كبير الشركاء في" ماكينزي"، إلى أن أبرز المشكلات التي تواجه القطاع ترتبط بتوافر الكوادر البشرية وشبكات التوريد، موضحًا أن الصناعات الدفاعية الأوروبية لم تعمل منذ سنوات طويلة وفق وتيرة الإنتاج الكمي الواسع.
وأضاف أن هذا القطاع يعتمد على سلسلة واسعة من الشركات الموردة، ويشكل عدد كبير منها مؤسسات عائلية صغيرة تحتاج إلى التوسع بالتوازي مع بقية الأطراف المشاركة في عملية الإنتاج.
وأكد أن عدم توافر مكون واحد أو اثنين فقط قد يؤدي إلى تعطيل تسليم الطائرات الجديدة.
ولفتت وكالة" ستاندرد آند بورز" إلى وجود فروقات واضحة بين الدول الأوروبية في ما يتعلق بالقدرة على زيادة الموازنات الدفاعية، حيث تمضي بولندا ودول البلطيق بوتيرة أسرع، بينما تتمتع ألمانيا بهامش مالي أوسع.
في المقابل، تواجه فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وعدد من دول جنوب أوروبا ضغوطًا مرتبطة بمستويات الدين العام، إلى جانب اعتبارات سياسية أخرى تؤثر على أولويات الإنفاق.
كما أوضحت الوكالة أن أوروبا ما زالت تعتمد بصورة أساسية على الشركات الأمريكية في مجالات الطائرات العسكرية وأنظمة الدفاع والتسليح الدقيق والحلول البرمجية.
وقال الرئيس التنفيذي لبنك" كي إف دبليو" الألماني، شتيفان وينتلس، إن التوسع الذي يشهده قطاع الصناعات العسكرية لا يقتصر على فترة مؤقتة، مشددًا على أهمية زيادة الطاقة الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية من حيث التكلفة، إلى جانب توفير بيئة سياسية داعمة.
وأضاف أن خطة الملكية المشتركة المقترحة لشركة" KNDS" المتخصصة في إنتاج الدبابات قد تمثل نموذجًا لتعاون أوروبي أوسع، على غرار التجربة التي قامت عليها شركة" إيرباص".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك