" ليبانون ديبايت" -محمد علوشقبل أن يجفّ حبر الاتفاق الإطاري، بدأت إسرائيل تتصرف وكأنها انتقلت إلى مرحلة جديدة لا تكتفي فيها بما حصلت عليه من مكاسب سياسية وأمنية، بل تسعى إلى تثبيت وقائع إضافية على الأرض تجعل أي تفاوض لاحق يدور حول أمر واقع فرضته بالقوة، لا حول نصوص الاتفاق السيء نفسها.
المشهد الميداني في الجنوب لا يوحي بوجود طرف يستعد لتنفيذ التزاماته تمهيداً للانسحاب، رغم ما يعطيه الاتفاق من مكاسب جمة، بل يعكس سلوكاً يهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا الأمنية والسكانية، من خلال استمرار عمليات الهدم والتجريف، وشق الطرق، وتقسيم بعض القرى إلى مربعات منفصلة، بما يتجاوز في نظر مصادر سياسية متابعة مفهوم الإجراءات العسكرية المؤقتة.
وتقول المصادر التي لا تعارض اتفاق الاطار بالمطلق إن إسرائيل تتعامل مع الاتفاق باعتباره الحد الأدنى، لا السقف النهائي، ولذلك تحاول انتزاع تنازلات إضافية قبل الدخول في مرحلة التنفيذ الكامل.
وهي تراهن على أن الضغوط السياسية والاقتصادية التي يعيشها لبنان، إلى جانب حاجة السلطة إلى تثبيت الاستقرار وإطلاق مسار إعادة الإعمار، ستدفعها إلى التعامل بمرونة مع المطالب الإسرائيلية الجديدة، حتى لو لم تكن جزءاً من الاتفاق الأصلي.
وبحسب المصادر، فإن ما يجري على الأرض لا يمكن فصله عن محاولة فرض تفسير إسرائيلي منفرد للاتفاق، بحيث يصبح تنفيذ أي بند مرتبطاً أولاً بتحقيق الشروط الأمنية التي تضعها تل أبيب، فيما يتأخر تنفيذ الالتزامات المتعلقة بالانسحاب ووقف الاعتداءات وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه.
وبهذه الطريقة يتحول الاتفاق من إطار شبه متوازن نظرياً إلى أداة تمنح إسرائيل حق تحديد توقيت التنفيذ وحدوده، وفق تقديرها لمصالحها الأمنية.
وتضيف المصادر أن استمرار عمليات الهدم والتجريف داخل الأراضي اللبنانية يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة الحالية، إذ يصعب الحديث عن تنفيذ اتفاق في ظل استمرار فرض وقائع ميدانية جديدة يومياً.
فكل منزل يُهدم، وكل طريق تُشق، وكل تغيير يطرأ على القرى الحدودية، يصبح جزءاً من معادلة قد يصعب التراجع عنها لاحقاً، حتى لو انتهت العمليات العسكرية رسمياً.
وفي المقابل، تشير المصادر إلى أن السلطة اللبنانية تدرك بدقة ما يجري، وأن الاتصالات السياسية والدبلوماسية لم تتوقف مع الجهات الدولية الراعية للاتفاق، إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في محدودية أدوات الضغط اللبنانية مقابل الدعم الذي تحظى به إسرائيل، الأمر الذي يجعل ردود الفعل الرسمية محكومة بحسابات دقيقة تتعلق بالحفاظ على الاتفاق نفسه ومنع انهياره بالكامل.
وتلفت المصادر إلى أن رئاسة الجمهورية، عندما تتحدث عن العمل لتحصيل حقوق لبنان، تنطلق من مقاربة تقوم على استخدام الآليات السياسية والدبلوماسية والقانونية لإلزام إسرائيل بتنفيذ ما يترتب عليها، وفي مقدمته الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات، وإنهاء الإجراءات التي تمس بالسيادة اللبنانية، إضافة إلى إطلاق مسار إعادة الإعمار وعودة الحياة الطبيعية إلى المناطق الحدودية.
إلا أن تحقيق هذه الأهداف يبقى مرتبطاً بمدى استعداد الوسطاء، ولا سيما الولايات المتحدة، لممارسة ضغط فعلي على إسرائيل، وهو أمر لا تزال نتائجه موضع شك لدى كثير من الأوساط السياسية.
وترى المصادر أن أحد أخطر عناصر المرحلة الحالية هو محاولة تحويل الوقائع التي تفرضها إسرائيل إلى حقائق دائمة مع مرور الوقت، بحيث يصبح أي اعتراض لبناني لاحق وكأنه اعتراض على واقع مستقر، لا على إجراءات مؤقتة.
لذلك فإن عامل الوقت بات يعمل لمصلحة إسرائيل إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فيما يجد لبنان نفسه أمام معركة من نوع مختلف، عنوانها منع تثبيت النتائج الميدانية قبل تثبيت تنفيذ الاتفاق.
وتؤكد المصادر أن إسرائيل تقرأ المشهد الإقليمي باعتباره فرصة تاريخية لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها، ولذلك فهي لا تكتفي بما حققته من تفاهمات، بل تسعى إلى استثمار ميزان القوى الحالي للحصول على أكبر قدر ممكن من الضمانات والترتيبات الإضافية، مستفيدة من غياب أي ضغط دولي حقيقي يجبرها على الالتزام الفوري بما عليها من موجبات.
وفي ضوء ذلك، يبدو لبنان أمام مرحلة شديدة الحساسية، لا يقتصر التحدي فيها على حماية الاتفاق من الانهيار، بل يمتد إلى منع تحوله إلى مظلة تمنح إسرائيل الوقت اللازم لاستكمال فرض الوقائع التي تريدها.
بالمقابل ترى مصادر سياسية معارضة للاتفاق أن ما يجري على الأرض يؤكد أن السلطة اللبنانية فاوضت من موقع الضعف، الأمر الذي انعكس على طبيعة التفاهم وآليات تنفيذه.
وبحسب المصادر، فإن إسرائيل تتصرف اليوم وكأنها غير ملزمة بأي سقف زمني أو سياسي، فيما يجد لبنان نفسه عاجزاً عن وقف الاعتداءات أو إلزام الوسطاء بتنفيذ التعهدات التي سبق الحديث عنها.
وتضيف المصادر أن استمرار الهدم والتجريف وتقسيم القرى الحدودية بعد الاتفاق دليل جديد على أن إسرائيل تعتبر التفاهم المزعوم محطة للانتقال إلى مطالب جديدة، مستفيدة من غياب الضمانات التنفيذية وضعف الموقف الرسمي اللبناني، فهل ترى السلطة هذا الواقع فتعيد النظر بسياستها الانبطاحية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك