أرجأت الحملة الحكومية في العراق، ضد المتورطين في قضايا فساد وغسل أموال، والتي طاولت نواباً وسياسيين بارزين ومسؤولين وأدت إلى حملة اعتقالات كبيرة، مفاوضات استكمال التشكيلة الوزارية لحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، والتي ما زالت ناقصة بتسع وزارات، أبرزها الدفاع والداخلية والتخطيط، حيث تُدار بالوكالة من قبل وزراء ووكلاء وزراء لغاية الآن.
الحملة التي أحدثت اضطراباً في المشهد السياسي، خاصة أنها شملت رئيس تحالف العزم، مثنى السامرائي، الذي يفترض وفقاً لنظام المحاصصة أن تكون له وزارتان من أصل الوزارات التسع الشاغرة لغاية الآن، تضع التفاهمات الخاصة بتوزيع الحقائب الوزارية أمام تحديات جديدة؛ قد تؤدي إلى تأجيل حسم هذا الملف لأجل غير معلوم.
وتكتسب هذه الاعتقالات أهمية سياسية استثنائية لأنها طاولت شخصيات تمتلك أدواراً مؤثرة داخل البرلمان وخارجه، فضلاً عن ارتباط بعضها بملف الاستحقاقات الحكومية والتوازنات التي قامت عليها عملية تشكيل الحكومة الحالية.
وكان مجلس النواب العراقي قد منح الثقة لحكومة الزيدي، منتصف مايو/ أيار الماضي، بعد التصويت على 14 وزارة من أصل 23، فيما بقيت تسع وزارات شاغرة بانتظار التوافق على مرشحيها.
وتضم قائمة الوزارات غير المحسومة وزارات الدفاع، والداخلية، والتخطيط، والتعليم العالي، والهجرة، والإعمار، والشباب، والعمل، والثقافة.
علي الياسري عضو الائتلاف الحاكم في العراق (الإطار التنسيقي)، قال اليوم الخميس لـ" العربي الجديد"، إن" الاعتقالات الأخيرة أحدثت هزة في المشهد السياسي، انعكست على الحوارات الجارية بين القوى السياسية لاستكمال التشكيلة الحكومية، والكتل البرلمانية أصبحت منشغلة بتداعيات هذه التطورات، الأمر الذي أدى إلى توقف جانب من المفاوضات الخاصة بتوزيع الاستحقاقات الوزارية".
وبين الياسري أن" السامرائي، رئيس الكتلة البرلمانية المعتقل يمتلك استحقاق وزارتين ضمن الحكومة الحالية، وبالتالي فإن ما جرى ستكون له انعكاسات مباشرة على مسار التفاوض وآلية حسم هذه الاستحقاقات، والتقديرات السابقة كانت تشير إلى إمكانية حسم الوزارات التسع المتبقية مع استئناف جلسات مجلس النواب في فصله التشريعي الجديد بداية شهر يوليو الحالي، إلا أن المستجدات الأخيرة قد تؤدي إلى تأخير هذا الاستحقاق إلى حين استقرار الأوضاع السياسية وعودة الحوار بين الأطراف المعنية".
وأضاف أن" القوى السياسية تدرك أهمية استكمال التشكيلة الوزارية، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى معالجة تداعيات الأزمة الحالية وإعادة تهيئة الأجواء السياسية بما يسمح باستئناف المفاوضات والوصول إلى تفاهمات تضمن إنجاز هذا الملف".
تأثير يمتد إلى بنية التفاهمات السياسيةمن جهته، قال أستاذ العلوم السياسية سديف الربيعي، لـ" العربي الجديد"، إن" التأثير المباشر لهذه التطورات لا يقتصر على الجانب القانوني أو القضائي، بل يمتد إلى بنية التفاهمات السياسية نفسها، إذ إن اعتقال رئيس كتلة أو تحالف يمتلك استحقاقاً وزارياً يعني عملياً إضعاف قدرة هذا الطرف على التفاوض أو الدفاع عن حصته داخل الحكومة، كما أنه يدفع بقية القوى السياسية إلى إعادة حساباتها بشأن آليات توزيع المناصب وموازين القوى داخل البرلمان".
وبين الربيعي أن" الأنظمة السياسية القائمة على التوافقات والتحالفات المتغيرة، غالباً ما تؤدي الأزمات المفاجئة فيها إلى تجميد المفاوضات مؤقتاً بانتظار اتضاح المشهد القانوني والسياسي، كما تثير هذه التطورات مخاوف من دخول ملف التشكيلة الوزارية في مرحلة جديدة من التعقيد، خصوصاً إذا ما تمسكت الكتل المتضررة باستحقاقاتها السياسية أو طالبت بإعادة النظر في التفاهمات السابقة، في وقت قد تجد فيه القوى الأخرى فرصة لإعادة توزيع مراكز النفوذ أو تعديل خريطة التمثيل الحكومي".
وأضاف أن" أزمة اعتقال النواب والقيادات السياسية بتهم فساد، دفعت إلى انشغال القيادات السياسية بإدارة تداعيات الأزمة والدفاع عن مواقفها السياسية والقانونية، بدلاً من التركيز على استكمال المفاوضات الخاصة بالوزارات المتبقية".
وشهدت الساحة العراقية واحدة من أوسع حملات مكافحة الفساد منذ عام 2003، في ظل تحركات قضائية وأمنية متسارعة تستهدف مسؤولين وسياسيين وشخصيات متنفذة متهمة بالاستيلاء على المال العام والتلاعب بالعقود الحكومية وعمليات غسل الأموال وتهريبها إلى خارج البلاد.
وتأتي هذه الحملة في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات اقتصادية ومالية كبيرة، وسط مطالب شعبية متصاعدة بإنهاء الإفلات من العقاب واستعادة الأموال المنهوبة التي تقدرها جهات رقابية بمليارات الدولارات.
وطاولت حملة الاعتقالات أعضاء برلمان، ومستشارين سابقين لدى الحكومة العراقية، ومسؤولين في وزارات، ومحافظين سابقين في محافظات متفرقة، بينهم شخصيات تُعد من الصف الأول في المشهد السياسي العراقي، أبرزهم زعيم تحالف" عزم" (ثاني أكبر الأحزاب السنية النافذة في البلاد) مثنى السامرائي، بالإضافة إلى نواب بارزين، بينهم محمد جميل المياحي، وعالية نصيف، وزياد الجنابي، محمد الكربولي، وعبد الرحمن اللوزيري.
وبلغ عدد المعتقلين في عملية" الفجر الأبيض"، كما سُمّيت في الإعلام العراقي، نحو 50 شخصاً، جميعهم متهمون بقضايا فساد، وفقاً لما ورد في اعترافات عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط، الذي اعتُقل الشهر الماضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك