شهدت الجزائر عشرة انتخابات نيابية منذ الاستقلال عن فرنسا 1962، ثلاثة منها في عهد نظام الحزب الواحد، وسبعة استحقاقات في عهد التعددية السياسية بعد عام 1989، لكل منها قصتها وسياقاتها السياسية الداخلية وظروفها المختلفة، كما شهدت كل منها تطورات هيكلية على صعيد إدارة العملية الانتخابية ومخرجاتها، من حيث النتائج ومتغيرات الطبقة السياسية.
بعد المجلس التأسيسي عام 1963، والذي تلاه انقلاب أطاح الرئيسَ الراحل أحمد بن بلة، حدثت أول انتخابات نيابية عام 1977، بعد إقرار دستور جديد في البلاد في السنة نفسها، أعقبتها انتخابات نيابية ثانية عام 1982، ثم انتخابات أخرى عام 1987، كانت كل هذه الاستحقاقات تتم في إطار نظام الحزب الواحد، جبهة التحرير الوطني، وكان التصويت يتم على قائمة واحدة يقدّمها الحزب تجمع عدداً من المرشحين من أعضائه وإطاراته.
في أكتوبر/ تشرين الأول 1988 شهدت البلاد انتفاضة شعبية أطاحت نظام الحزب الواحد، دخلت بعدها البلاد عهد التعددية السياسية والحزبية، في ديسمبر/ كانون الأول 1991، جرت أول انتخابات نيابية تعددية، في مناخ سياسي قلق وبالغ التوتر، فازت بدورها الأول الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي استخدمت المضمون الديني في المجال السياسي والانتخابي، واعتمدت خطاباً عنيفاً، ما دفع الجيش إلى التدخل ومنع إجراء الدور الثاني؛ الذي كان مقرراً في 16 يناير/ كانون الثاني 1992، ليتم توقيف المسار الانتخابي.
دخلت البلاد بعد ذلك نفق أزمة أمنية حادة حتى إقرار دستور جديد للبلاد في نوفمبر/ تشرين الثاني 1996، وفي يونيو/ حزيران 1997 جرت ثاني انتخابات تعددية، في ظروف من الخوف بسبب تهديدات الجماعات الإرهابية للناخبين، كان حزب التجمع الوطني الديمقراطي قد أنشأ بإيعاز من السلطة قبل ذلك بأربعة أشهر فقط، لكنه فاز بتلك الانتخابات التي شهدت تزويراً فاضحاً لصالح التجمع، أقرته لجنة تحقيق برلمانية لكنها لم تنشر تحقيقها ذلك.
ومع ذلك يعتبر المتابعون أن تلك العهدة النيابية التي امتدت حتى عام 2002، تبقى أفضل برلمان حتى الآن، من حيث حيوية وأداء الكتل النيابية، خاصة لأحزاب حركة مجتمع السلم وجبهة القوى الاشتراكية والتجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية.
في يونيو عام 2002، جرت ثالث انتخابات نيابية تعددية، كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد وصل إلى السلطة عام 1999، وهو عضو في حزب جبهة التحرير الوطني، وكانت البلاد في خضم أزمة الربيع الأمازيغي بفعل تداعيات أحداث يونيو 2001 في منطقة القبائل، شهدت تلك الانتخابات مقاطعة من أكبر حزبين في منطقة القبائل، جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي كان قد انسحب من الحكومة.
شهدت هذه الانتخابات عودة جبهة التحرير وافتكاكها الصدارة على حساب التجمع الوطني الديمقراطي، وصعود مفاجئ لحركة الإصلاح (إسلامي)، على حساب أكبر حزب إسلامي في البلاد، حركة مجتمع السلم.
في انتخابات عام 2007، عادت أحزاب الكتلة الديمقراطية إلى المشاركة بعد مقاطعتها للانتخابات السابقة، هيمن حزبان مواليان للسلطة على 195 مقعداً في البرلمان من مجموع 389 مقعداً، لكن هذه الانتخابات ستسجل للمرة الأولى أعلى معدل امتناع عن التصويت بما يقارب 65 %، حيث تقدّم البرلمان في نوفمبر 2008، بواحدة من أكثر الجلسات إثارة للجدل، بجلسة التصويت على تعديل دستوري يسمح لبوتفليقة بالترشح لولاية رئاسية ثالثة في انتخابات 2009.
انتخابات 2012.
نتائج صادمةلكن أكثر الانتخابات النيابية إثارة، كانت تلك التي جرت في مايو/أيار 2012، في سياقات الربيع العربي، وكان متوقعاً أن تحقق قوى المعارضة خاصة من الإسلاميين تقدماً، وانهياراً لأحزاب الموالاة، لكن النتائج كانت صادمة، إذ حصد حزب السلطة، جبهة التحرير الوطني 220 مقعداً وحده، مقابل 48 مقعداً لتحالف يضم ثلاثة أحزاب إسلامية.
فقدت الساحة السياسية بعد تلك النتائج الصادمة، الحركية الضرورية، وتزامن ذلك مع مشكلات معقدة داخل السلطة بفعل مرض الرئيس بوتفليقة، الذي بقي في الخارج للعلاج قرابة ثلاثة أشهر.
في مايو/ أيار 2017، شهدت هذه الانتخابات للمرة الأولى استحداث الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات، في خطوة للحد من الشكوك السياسية المستمرة حول نتائج الانتخابات، لكن النتائج والمآلات أثبتت محدودية سيطرة هذه الهيئة على مراقبة الانتخابات، بينما كانت هندسة النتائج تتم بأشكال أخرى، كان البرلمان المنبثق أسوأ تجربة نيابية في تاريخ البلاد، بسبب سيطرة رجال المال عليه، وكان أحد الدوافع نحو الحراك الشعبي عام 2019.
في فبراير/ شباط 2021، قرر الرئيس تبون حل هذا البرلمان والتمهيد لإجراء انتخابات نيابية جديدة، تشرف عليها للمرة الأولى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، والتي عهد إليها بالإشراف الكامل على الانتخابات واستبعاد الإدارة الحاكمة ووزارة الداخلية تماماً.
وفي يونيو 2021 جرت انتخابات نيابية، في ظل استمرار نسبي للحراك الشعبي، ومشاركة أحزاب الكتلة الديمقراطية، وشهدت مشاركة قياسية للوائح المستقلة التي بلغ عددها أكثر من ألف لائحة، وشجعت خلالها السلطة المجتمع المدني لتقديم لوائح لمنافسة الأحزاب السياسية.
واليوم، الثاني من يوليو 2026، تجري عاشر انتخابات نيابية في تاريخ البلاد، والسابعة منذ دخولها عهد التعددية السياسية والحزبية عام 1989، والثانية بعد الحراك الشعبي عام 2019، تتنافس فيها 33 حزباً سياسياً، بينما تبخرت اللوائح المستقلة على نحو مثير، إذ لا تشارك سوى 125 لائحة فحسب، لكن أبرز ما يميز هذه الانتخابات، هي" مجزرة" الإقصاءات للمرشحين (1700 مرشح) من كل الأحزاب بشكل غير مسبوق، وعودة وزارة الداخلية إلى المشاركة في تنظيم الانتخابات، حيث حازت الصلاحيات اللوجستية، بعد تعديل النظام الانتخابي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك