قد تُغيّر الأجهزة الرقمية أجسامنا لكن بطرقٍ لا ندركها.
وبينما يركز كثيرون عند الحديث عن التأثيرات الصحية للإفراط في استخدام الشاشات على الجوانب الذهنية والنفسية، تشير أبحاث إلى أن الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الرقمية قد تترك أيضاً آثاراً جسدية تمتد من الرقبة والعينين إلى اليدين والعضلات، وقد تؤثر حتى في المهارات الحركية.
إذا كنت تقرأ هذا المقال عبر هاتفك، فمن المرجح أنك تُميل رأسك إلى الأسفل للنظر إلى الشاشة.
وتُعرف هذه الوضعية باسم" وضعية الرأس المتقدم إلى الأمام" (Forward Head Posture)، وقد تفرض ضغطاً يصل إلى 27 كيلوغراماً على فقرات الرقبة.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى تلف الأقراص الفقرية، وتآكل المفاصل والعضلات، بل وحتى تقليل سعة الرئتين.
وأصبحت هذه الحالة تُعرف أيضاً باسم" تيك نيك" (Tech Neck).
ولا يقتصر تأثيرها في الشعور بالألم، إذ قد تؤدي مع مرور الوقت إلى تغييرات دائمة في شكل الجسم.
ويقول بيتر وانغ، جرّاح العمود الفقري في" ييل ميديسن" (Yale Medicine)، في تصريحات للمؤسسة، إن معظم حالات" تيك نيك" تتحسّن من خلال تعديل العادات اليومية، مثل رفع الهاتف أو شاشة الكمبيوتر إلى مستوى العين، وتجنب البقاء في وضعية واحدة لفترة طويلة، وأخذ استراحة كل 20 دقيقة لتحريك الرقبة والتمدد، إلى جانب تقوية عضلات الرقبة والكتفين.
وأضاف أن العلاج قد يشمل استخدام الكمادات الدافئة أو الباردة، ومسكنات الألم التي تُصرف من دون وصفة طبية عند الحاجة، بينما يُنصح بمراجعة الطبيب إذا امتد الألم إلى الذراعين أو صاحبه تنميل أو وخز، لاحتمال وجود انضغاط في أحد أعصاب الرقبة.
وأكد أن هذه الحالة نادراً ما تستدعي تدخلاً جراحياً، ويمكن الوقاية منها في معظم الحالات من خلال الحفاظ على وضعية صحيحة أثناء استخدام الأجهزة الرقمية.
برز في الآونة الأخيرة تساؤل جديد: هل تؤدي" رقبة التقنية" إلى ظهور تجاعيد في الرقبة؟ترى جوستين هيكستال، استشارية الأمراض الجلدية وعضوة الكلية الملكية للأطباء في المملكة المتحدة، في تصريحات لـ" بي بي سي"، أن الفكرة تبدو منطقية من الناحية النظرية.
فالتجاعيد قد تنتج عن الضغط المتكرر على الجلد، لذلك فإن الانحناء إلى الأمام وثني الرقبة باستمرار قد يساهم في ظهورها.
لكن هيكستال أوضحت أنه لا توجد حتى الآن دراسات علمية قوية تثبت وجود علاقة مباشرة بين استخدام الهواتف وظهور تجاعيد الرقبة، ولذلك نصحت بعدم شراء المنتجات التي تُسوَّق عبر الإنترنت على أنها مخصصة لعلاج" رقبة التقنية".
ورغم غياب الأدلة القاطعة بشأن تجاعيد الرقبة، فإن هناك مشكلات جلدية أخرى أكثر وضوحاً تستحق الانتباه، لا سيما لدى الأشخاص الذين يرتدون الساعات الذكية باستمرار.
وأوضحت هيكستال أن المنطقة الواقعة أسفل الساعة الذكية تكون عادةً دافئة ورطبة، وهي بيئة مثالية لنمو الخمائر والفطريات، ما قد يؤدي إلى تهيج الجلد أو الإصابة بالإكزيما.
وأضافت أن تضرر الحاجز الواقي للجلد قد يزيد أيضاً من حساسية البشرة تجاه بعض المواد المستخدمة في الأجهزة القابلة للارتداء، مثل النيكل والمطاط واللاتكس ومجموعة من المركبات الكيميائية المعروفة باسم" الأكريلات".
ونصحت هيكستال، بخلع الساعة الذكية على فترات منتظمة، وتنظيف الجلد جيداً، واستخدام كريم واقٍ إذا كان الشخص يرتدي الساعة طوال اليوم.
تُعرف" متلازمة إجهاد العين الرقمي" أو" متلازمة رؤية الكمبيوتر" (Computer Vision Syndrome) بأنها مجموعة من الأعراض التي تظهر نتيجة استخدام الأجهزة الرقمية لساعات طويلة من دون أخذ فترات راحة.
ووفقاً لـ" كليفلاند كلينك"، تشمل الأعراض الأكثر شيوعاً تهيج العينين، وتشوش الرؤية، والحساسية تجاه الضوء، إضافة إلى الصداع، وآلام خلف العينين، والشعور بتيبس وألم في الرقبة والكتفين والظهر.
كما يؤدي التركيز المستمر على الشاشات إلى تقليل معدل الرمش، ما يسبب جفاف العين، في حين تساهم طبيعة عرض النصوص على الشاشات ومستويات التباين المنخفضة في زيادة إجهاد العين.
وتوضح" كليفلاند كلينك" أن معظم الحالات تتحسن من خلال تعديل العادات اليومية، مثل أخذ استراحة لمدة 15 دقيقة كل ساعتين، أو اتباع قاعدة" 20-20-20"، التي تقضي بالنظر كل 20 دقيقة إلى جسم يبعد نحو 20 قدماً (نحو 6 أمتار) لمدة 20 ثانية.
كما تنصح برفع الشاشة بحيث تكون أسفل مستوى العين بقليل، وتقليل انعكاسات الإضاءة على الشاشة، وزيادة حجم الخط وتحسين تباين الألوان، مع الحرص على الرمش بصورة متكررة واستخدام قطرات ترطيب العين عند الحاجة.
وإذا استمرت الأعراض أو تفاقمت رغم هذه الإجراءات، أو كان الشخص يعاني من مشكلات في الإبصار، فينبغي مراجعة اختصاصي العيون لإجراء الفحص اللازم وتصحيح أي مشكلات بصرية قد تزيد من حدة إجهاد العين.
مع تزايد الوقت الذي يقضيه الناس في استخدام الأجهزة الرقمية.
يحذر أطباء من أن الحركات المتكررة، مثل الكتابة على الهاتف أو النقر على لوحة المفاتيح واستخدام الفأرة، قد تزيد من خطر الإصابة بإجهاد الأوتار والمفاصل.
ووفقاً لـ" مشفى راش" (Rush)، أوضح روبرت ويسوكي، جرّاح اليد والرسغ والمرفق في المشفى، أن كثيراً من المرضى لاحظوا ظهور مشكلات جديدة أو تفاقم حالات موجودة بالفعل بعد الاستخدام المتكرر للهواتف أو أجهزة الكمبيوتر.
ومن أبرز هذه الحالات" إبهام الرسائل النصية" (Texting Thumb)، الذي قد يظهر على شكل التهاب في أوتار الإبهام أو خشونة في المفصل الذي يربط الإبهام بالرسغ، إضافة إلى" متلازمة النفق المرفقي" (Cubital Tunnel Syndrome)، الناتجة عن إبقاء المرفق مثنياً لفترات طويلة، ما قد يضغط على العصب الزندي ويسبب ألماً أو تنميلاً في الإصبعين الرابع والخامس.
وأشار ويسوكي إلى أن معظم هذه المشكلات يمكن الوقاية منها أو الحد من أعراضها عبر تعديل طريقة استخدام الأجهزة الرقمية، مثل استخدام السبابة بدلاً من الإبهام في الكتابة، أو الاستفادة من خاصية الإملاء الصوتي، وتبديل اليد التي يُمسك بها بالهاتف، مع تحريك الأصابع والرسغين بانتظام وأخذ فترات راحة متكررة.
كما أوصى باستخدام سماعات أو ميزة التحدث من دون حمل الهاتف لتجنب إبقاء المرفق مثنياً لفترات طويلة، والابتعاد قليلاً عن لوحة المفاتيح أثناء العمل بحيث تبقى الذراعان في وضعية أكثر استقامة.
وأضاف أن معظم الحالات تستجيب للعلاج التحفظي، بينما قد تتطلب الحالات الشديدة تدخلاً جراحياً بسيطاً لتخفيف الضغط عن الأعصاب أو الأوتار، مشدداً على أن اكتساب عادات استخدام صحيحة للأجهزة في سن مبكرة يساعد على تقليل خطر الإصابة بهذه المشكلات مستقبلاً.
ولا تقتصر آثار الأجهزة الرقمية على العضلات، بل تمتد أيضاً إلى المهارات الحركية، وهي القدرات التي تنسّق بين الدماغ والجسم لتنفيذ الحركات الدقيقة.
يقول سيباستيان سوغيت، أستاذ علم النفس التنموي والتربية في جامعة ريغنسبورغ الألمانية، في تصريحات لـ" بي بي سي"، إن التكنولوجيا قد تجعل الإنسان أكثر مهارة في بعض الحركات المرتبطة باستخدام الأجهزة الرقمية مثل النقر على الشاشة أو التمرير بالإصبع، لكنه أشار إلى أنه عند النظر إلى تطور المهارات الحركية بصورة أشمل، ولا سيما المهارات الحركية الدقيقة، فإن معظم الأدلة العلمية تشير إلى وجود تأثير سلبي.
وأوضح أن العلماء يعرفون الكثير عن تأثير الشاشات في الأطفال، أكثر مما يعرفونه عن تأثيرها في البالغين، مشيراً إلى أن أبحاثه أظهرت وجود ارتباط بين زيادة الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات وتراجع مهاراتهم الحركية.
وأوضح سوغيت أن هذه النتيجة تثير القلق بشكل خاص، لأن الدراسات تشير أيضاً إلى وجود علاقة بين المهارات الحركية والتطور المعرفي والتحصيل الدراسي لدى الأطفال والمراهقين.
ورغم ذلك، شدد على أن الحل لا يتمثل في الذعر أو منع استخدام الشاشات.
وأكد أنه لا يدعو إلى حظر الشاشات، بل ينصح بإدخال مزيد من الأنشطة اليدوية إلى الحياة اليومية بصورة مقصودة.
ولتحقيق ذلك، أوصى بممارسة أنشطة تتطلب استخدام اليدين بشكل متواصل، مثل إعداد الطعام أو الأشغال اليدوية أو الفنون.
وأشار سوغي إلى أنه يمارس النجارة هوايةً، لكنه أوضح أن الخيارات كثيرة، مثل تعلّم العزف على آلة موسيقية، أو حتى العودة إلى الكتابة باليد.
وأضاف" الأمر ليس نهاية العالم، فهذه التأثيرات طفيفة نسبياً".
لكنه حذر في الوقت نفسه من التقليل من شأن هذه التأثيرات، مضيفاً: " حتى إذا كانت هذه التأثيرات متوسطة أو صغيرة على مستوى الفرد، فإنها قد تصبح مؤثرة عند النظر إليها عبر أجيال كاملة".
وتابع: " قد نكون أمام خطر يتمثل في تراجع القدرات الذهنية للمجتمع، وانخفاض قدرتنا على التفكير في العالم الواقعي، لأن اليدين تمثلان إحدى أهم وسائل تواصل الإنسان مع محيطه".
ويخلص الخبراء إلى أن التأثيرات الجسدية للاستخدام المفرط للتكنولوجيا غالباً ما تتطور ببطء، ولا يلاحظها معظم الناس إلا بعد ظهور أعراضها، لكن إدخال تعديلات بسيطة على العادات اليومية قد يساعد في الحد منها، والحفاظ على صحة الجسم والعقل على المدى الطويل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك