يسود غموض مقلق في اليمن حول الإنتاج النفطي، مع توقف تصدير المورد الأول للموازنة العامة للدولة منذ نحو 4 أعوام، في ظل مؤشرات ترجّح وضعية صادمة لمستوى الإنتاج المتوقف بشكل كلي، نتيجة استهداف الموانئ الحكومية وتعطيل عملية التصدير من قبل الحوثيين.
وتشير التقديرات إلى أن اليمن خسر ما يعادل نصف إنتاجه النفطي الذي كان عليه في عام 2014، قبل اندلاع الحرب والصراع المحلي في البلاد، الأمر الذي دفع جهات دولية مثل صندوق النقد الدولي إلى الضغط بقوة على الحكومة اليمنية للبحث عن موارد بديلة متاحة عبر الضرائب والجمارك والموانئ.
وكشف خبراء اقتصاديون أن اليمن خسر حتى الآن ما يقرب من 70% من موارده بسبب توقف تصدير النفط والغاز، في ظل مؤشرات مقلقة على تدهور وضعية حقول الإنتاج في محافظات شبوة وحضرموت ومأرب، مع توسع شبكات التهريب ومنشآت التكرير المحلية التي أُنشئت منذ نهاية عام 2022، وسط استنزاف خطير للحقول وتفشٍّ للفساد في عقود الشركات النفطية المستثمرة في النفط والغاز اليمني.
بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون النفط والغاز عبد الغني جغمان، في حديث خاص لـ" العربي الجديد"، أن تصدير النفط متوقف، سواء من ميناء النشيمة في شبوة أو من الضبة في حضرموت، إذ لا يُنتج سوى نحو ثلاثة آلاف برميل من بعض حقول شبوة لتغذية محطة الرئيس للكهرباء في عدن.
كذلك يُنتج نحو أربعة آلاف برميل من البترول المحسّن في مأرب، يُباع في السوق السوداء بعد تكريره في المصافي المحلية، ما يجعل الإنتاج الحالي في حكم المتوقف بشكل كامل.
وفي حال الاتفاق على إعادة الإنتاج والتصدير، يضع جغمان ثلاثة احتمالات لمستوى الإنتاج:الأول يتعلق بحجم الإنتاج الذي بلغه اليمن عام 2014، والذي وصل إلى 120 ألف برميل يومياً.
أما الرقم الآخر فيعود إلى أكتوبر/ تشرين الأول 2022، قبل ضرب الحوثيين موانئ التصدير، حين كان الإنتاج يراوح بين 60 و70 ألف برميل.
أما في حال إعادة تشغيل الإنتاج بطاقته القصوى، فيرجّح جغمان أن يصل إلى 100 ألف برميل يومياً، تُقتطَع منها تكاليف التشغيل والصيانة، ليصل الصافي إلى نحو 50 ألف برميل.
ويُقدَّر عائد هذه الكمية، بسعر 70 دولاراً للبرميل، بنحو 100 مليون دولار شهرياً، وهو مبلغ ضئيل للغاية مقارنة بحجم الأزمة المالية والاقتصادية الضخمة.
وبحسب الخبير، بات التعويل على النفط باعتباره رافعة اقتصادية يتضاءل بشكل كبير في حال التوصل إلى اتفاقية سلام، إذ لن يكون النفط قادراً على دعم الموازنة العامة للدولة، وحتى في حال تشغيل ميناء بلحاف وتصدير الغاز المسال، ستبقى الأزمة قائمة، لأن عائد الغاز الطبيعي المسال لن يتجاوز 200 مليون دولار سنوياً.
وهو وضع خطير يعكسه الصمت الحكومي في هذا الخصوص، إذ لا تُلاحظ أي تحركات لوزارة النفط في عدن، التي يبدو عليها الارتباك في التعامل مع هذا الملف الحساس الذي يُعدّ محور الصراع في البلاد، خصوصاً منذ توقف التصدير في أكتوبر/ تشرين الأول 2022.
يُضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة للآبار والحقول، التي لم تخضع لأي عمليات صيانة منذ نحو 10 سنوات، ما يجعل جزءاً كبيراً من حجم الإنتاج والعائدات مرتبطاً بتكاليف التشغيل والصيانة، بما في ذلك منشآت النقل والتصدير المدمَّرة.
بالمقابل، يشرح الخبير اليمني في اقتصاد الحرب يوسف شمسان، لـ" العربي الجديد"، أن اليمن يقع في منطقة الوفرة النسبية للموارد الهيدروكربونية، حيث شكّلت هذه الموارد نسبة معتبرة من الناتج المحلي الإجمالي، تغيّرت بحسب الكمية والسعر، وبلغت في المتوسط ما بين 20% و90% من الصادرات، ونحو 70% من الموارد العامة، دون أن تصل إلى حد الوفرة المطلقة التي تسمح بشراء السلام الاجتماعي، أو الندرة التي ترفع كلفة الصراع.
ويضيف شمسان أن هذه الوفرة النسبية، مقترنة بضعف المؤسسات وانقسام السلطة، وفّرت الشرط الضروري والكافي لاندلاع صراع على الريع بدلًا من التنمية، وبالتالي إن أي حل يجب أن يعالج البعدين المؤسسي والإداري معاً.
ويقول: " كنا نرى أن وقف التصدير جنّب الشرعية صراعاً داخلياً، لكنه الآن استنفد مفعوله، والاستمرار فيه يعني موتاً بطيئاً".
ويكشف الخبير عن أمر خطير في هذا الخصوص، مشيراً إلى استفادة الطرفين المتصارعين، الحكومة والحوثيين، من استمرار هذا الوضع المتمثل بتوقف الإنتاج والتصدير، مع تمدد شبكات ريع بديلة لدى الطرفين.
فالحوثيون يجنون نحو مليارَي دولار سنوياً من هبات وريع النفط والغاز المستورد، فيما تتغذى الحكومة على شبكات نهب النفط الداخلي وعقود الريع النفطي المشوبة بالفساد.
ويشير شمسان إلى أن اليمن يخسر 70% من موارده بسبب توقف الإنتاج والتصدير، فيما الدعم السعودي، الذي يُعتمد عليه بشكل رئيسي، يتراجع، وهو مرهون بإصلاحات تعجز الحكومة عن القيام بها، بينما الحصار وإغلاق مضيق هرمز يُطوّقان سلطة صنعاء ويشدّان الخناق على وارداتها النفطية.
ويضيف أن حرب المضايق رفعت كلفة الشحن والتأمين، وزادت معدلات الفقر في اليمن.
لذا، إن طفرة النفط هي المصدر الوحيد المتبقي للتمويل غير التضخمي، إذ إن كل زيادة قدرها عشرة دولارات في سعر البرميل توفر نحو ربع مليار دولار سنوياً، فارق تصدير ما بين 60 و80 ألف برميل يومياً، وهو الحد المتاح في حال إصلاح أولي سريع للبنية الإنتاجية.
وهو ما قد يرفع حصيلة الصادرات من 1.
2 مليار دولار قبل توقفها نهاية عام 2022، إلى نحو 1.
7-2.
6 مليار دولار سنوياً، مع تحقيق وفر يُقدَّر بملياري دولار من إعادة تكرير النفط محلياً وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتشغيل الطاقة من الغاز المحلي بدل تصديره من دون جدوى اقتصادية، نتيجة عقود الفساد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك