" حرّ كالجحيم" و" قبة حرارية" و" منطقة خطر حمراء غير مسبوقة" و" كوكب يغلي"، بهذه اللغة القلقة وصفت عناوين في الصحافة الغربية موجات الحر الأخيرة، كأن الأزمة لم تعد خبرا عابرا عن الطقس، بل إنذارا بعالم يتغير أسرع مما تستطيع مدنه ومنازله وملاعبه التكيف معه.
واللافت في هذه الموجة ليس أنها كسرت أرقاما قياسية جديدة فحسب، بل إنها بدت وكأنها تنتمي إلى زمن آخر بدأ يفرض نفسه على الحاضر.
list 1 of 3العثماني: هذه جذور مؤامرة تقسيم المغربlist 2 of 3أوكرانيا والسويد توقعان اتفاقا لشراء مقاتلات من طراز غريبنlist 3 of 3بينهم العيناوي وبوعدي.
من هم" أباطرة الاستحواذ" في مونديال 2026؟فما كان حتى وقت قريب حدثا نادرا أو بعيد الاحتمال، صار يطغى على تفاصيل الحياة اليومية: السكن والعمل والصحة، وحتى استمرار مدن وبطولات رياضية كبرى في ظل صيف لم تعد قواعده كما كانت.
في مقال رأي بصحيفة نيويورك تايمز، يقول ديفيد والاس ويلز إن موجة الحر الأوروبية الأخيرة كشفت ثلاث حقائق كبرى.
الأولى -وفق تقدير ينقله الكاتب- أن موجة بهذه الشدة كانت في مناخ ما قبل الثورة الصناعية، ستكون حدثا نادرا قد لا تشهده المنطقة إلا مرة كل 26 ألف عام.
أما الثانية، فينقلها الكاتب عن تحليل لمجموعة" وورلد ويذر أتريبيوشن"، ومفادها أن احتمال حدوث موجة حر بهذا الحجم صار أكبر بأكثر من 100 مرة منذ موجة الحر الأوروبية الكبرى عام 2003.
والثالثة -بحسب روبرت رود من" بيركلي إيرث" – أن ما بدا حدثا استثنائيا لم يعد كذلك إذا قيس إلى واقع الاحترار الحالي، لا إلى مناخ مستقر لم يعد قائما.
ويفيد والاس ويلز بأن موجة كهذه كانت حتى زمن قريب، خارج خيال الحضارة البشرية تقريبا، لكنها تحولت خلال عقدين فقط إلى احتمال قد يتكرر كل بضع سنوات في أوروبا الغربية.
ومن هنا، يرى الكاتب أن سؤال عدم استعداد شمال أوروبا لهذا القيظ يجد جزءا من جوابه في أن هذه الظروف نفسها كانت غير متصورة قبل فترة قصيرة.
يرى والاس ويلز أن بطء انتشار التكييف في شمال أوروبا لا يمكن اختزاله في موقف ثقافي أو سياسي، بل يرتبط بتاريخ مناخي مختلف.
فالمدن هناك قديمة وصممت مبانيها للاحتفاظ بالدفء في الشتاء، فيما تجعل طبيعة النوافذ والأسقف وارتفاع أسعار الكهرباء تركيب أجهزة التبريد أكثر كلفة وتعقيدا.
لكن والاس يؤكد في الوقت نفسه أن التكييف يجب أن ينتشر بوتيرة أسرع، لأن الأوروبيين يدفعون ثمن بطء التكيف.
ونقل الكاتب أن أوروبا -وفق مقاييس عدة- أكثر عرضة لوفيات الحر من مناطق أفقر وأكثر سخونة، مشيرا إلى موجات سابقة في أعوام 2003 و2010 و2022 خلّفت عشرات الآلاف من الوفيات المرتبطة بالحرارة.
ويذهب موقع فوكس في اتجاه قريب من هذا، إذ يقول إن نحو 20% فقط من المنازل الأوروبية تمتلك أجهزة تكييف، مقارنة بنحو 90% في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويضيف أن أوروبا تسجل أعلى معدل لوفيات الحرارة بالنسبة للفرد بين القارات، وأن أكثر من 61 ألف أوروبي توفوا لأسباب مرتبطة بالحر عام 2022 وحده.
وحسب فوكس، تحولت أجهزة التكييف إلى مادة سجال على ضفتي الأطلسي، فبينما يرى أمريكيون أن الحل بديهي، وهو تشغيل المكيفات، ينظر بعض الأوروبيين إلى التكييف بوصفه حلا زائفا قد يفاقم المشكلة، كما نقل الموقع عن السياسي الفرنسي جان لوك ميلانشون.
لكن فوكس يقول إن التكييف ليس خطيئة أخلاقية، ولا رمزا للحرية كما يتعامل معه بعض الأمريكيين، بل تقنية عادية تؤدي وظيفة نافعة، مثل الثلاجة ونظام التدفئة.
وفي عالم يزداد سخونة -يضيف الموقع- يصبح التبريد أداة لحماية الحياة لا علامة ترف، خصوصا في دور الرعاية والمستشفيات والشقق الواقعة في الطوابق العليا والمدارس.
أما والاس ويلز فيحذر من تحويل الأزمة إلى تبادل اتهامات بين قارات أو تيارات سياسية، لأن المشكلة -كما يكتب- أعمق من خلاف حول المكيفات، إنها صعوبة إعادة تهيئة جانب واسع من البنية المادية في أوروبا كي يحتمل مناخا يتغير بسرعة.
ولا تقف الأزمة عند البيوت والمدن، ففي بلومبيرغ (Bloomberg)، يناقش أكشات راثي وأوسكار بويد مستقبل الرياضة على كوكب يزداد حرارة، من استراحات شرب الماء في كأس العالم، إلى نقل ماراثون أولمبياد طوكيو مسافة ألف كيلومتر شمالا، إلى الملاعب المكيفة في مونديال قطر، وتقصير بعض مراحل سباق فرنسا للدراجات.
وتقول جيسيكا ميرفري، الأستاذة في جامعة نورث كارولاينا والمتخصصة في أثر تغير المناخ على الرياضة، إن الرياضيين يدفعون أجسادهم أصلا إلى حدودها القصوى، ولذلك فإن أي ارتفاع إضافي في الحرارة يترك أثره في الجسد والذهن والاقتصاد.
وتضيف أن الأمراض الحرارية المرتبطة بالجهد لا تنتج من المجهود البدني وحده، بل من اجتماعه مع ارتفاع حرارة الجو.
وتحذر ميرفري من أن ضربة الحر ليست خطرا نظريا، بل حالة طبية قد تكون قاتلة، وهي لا تخص الرياضيين وحدهم، بل تشمل المزارعين وعمال البناء وكل مَن يعمل أو يؤدي جهدا بدنيا في ظروف قاسية.
كما تشير إلى أن بعض الأخطار البيئية قد تجعل اللعب نفسه مستحيلا، من تلف الملاعب إلى تدمير منشآت رياضية كاملة بفعل الكوارث المناخية.
بحسب بلومبيرغ، يطرح تغير المناخ سؤالين على الرياضة: ماذا تفعل الحرارة بالرياضة؟ وماذا تفعل الرياضة بالمناخ؟فالفعاليات الرياضية الكبرى تترك أثرا كربونيا متزايدا مع تضخم حجمها، وتعدد مواقعها، وكثافة سفر الجماهير والفرق.
ويشير بودكاست" زيرو" في بلومبيرغ إلى أن كأس العالم الحالي هو الأكبر من حيث عدد الفرق، ويقام في ثلاث دول، مما يجعله مرشحا لأن يكون الأعلى انبعاثا بين نسخ البطولة.
وتورد بلومبيرغ تقديرات تتحدث عن 7.
8 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون، يرتبط معظمها بسفر الجماهير.
وتقول ميرفري إن المسؤولية لا يمكن أن تلقى على المشجعين وحدهم، لأنهم يتحركون داخل نظام اختارته المؤسسات المنظمة، خاصة أن القرارات المتعلقة بعدد الفرق، وجدول المباريات، وتوزيع الملاعب، ورعاية شركات الوقود الأحفوري، تُتخذ قبل أن يصل المشجع إلى المدرج.
وتختم فوكس بتحذير لافت يقول إن الخطر لا يكمن في التكييف نفسه، بل في تحويله إلى شارة سياسية.
فعندما تصبح آلة تبريد منزلية عنوانا لانتماء يميني أو يساري، تضيع الأسئلة الأجدى: من يحتاجها كي يبقى آمنا؟ وكم تكلف؟ وكيف يمكن تشغيلها بطاقة أنظف؟أما بلومبيرغ فتنقل عن ميرفري خلاصة أشد مباشرة، وهي أن الرياضة" ستتوقف عن الوجود إذا لم يعد الناس قادرين جسديا على ممارستها".
لذلك لم يعد تغيير المواعيد أو نقل البطولات أو إدخال استراحات الترطيب تفصيلا تنظيميا، بل جزءا من محاولة الحفاظ على اللعبة قبل أن يغيرها المناخ قسرا.
وبين السجال الغربي حول التكييف والقلق على مستقبل الرياضة، تكشف موجات الحر سؤالا أكبر: كيف يتصرف عالم كان يظن أن بعض أنماط حياته محصنة بالمناخ والجغرافيا، ثم وجد أن الحرارة تطرق أبواب المدن الباردة والملاعب الكبرى بالحدة نفسها التي تعيد بها رسم خرائط الخطر في كل مكان؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك