هكذا نصنع خصومتنا مع المنتصريستغربون حين يرون العربي يهتف لمنتخب في أقصى الأرض، لا يجمعه به دين، ولا لغة، ولا تاريخ.
ويسألون باستغراب مصطنع: لماذا تشجعونه؟ولا يعرفون أن الشعوب لا تشجع بالأقدام وحدها، بل بالذاكرة.
نحن أبناء أرض لم تتح لها رفاهية النسيان.
كل بيت عندنا يحمل حكاية احتلال، أو حصار، أو تهجير، أو حرب، أو خذلان.
لا لأن لاعبيه يشبهوننا، بل لأن مأساتهم تشبه مأساتنا.
نشجعهم وكأننا نبحث في انتصارهم عن عزاء صغير لهزائمنا الكبيرةكبرنا ونحن نرى فلسطين تذبح أمام العالم، ولبنان يقصف، والعراق يمزق، وسوريا تنزف، والسودان يئن، واليمن يختنق.
كبرنا ونحن نعيش في أوطان لا تملك قرارها كاملا، تحرسها قواعد الآخرين أكثر مما تحرسها جيوشها.
لهذا لا ندخل الملاعب بذاكرة رياضية خالصة، بل بذاكرة أمة طويلة الجراح.
حين نرى منتخبا جاء من بلد عرف الاستعمار، أو ذاق العبودية، أو عانى التمييز، أو عاش على هامش القوة، فإن شيئا في داخلنا يتحرك.
لا لأن لاعبيه يشبهوننا، بل لأن مأساتهم تشبه مأساتنا.
نشجعهم وكأننا نبحث في انتصارهم عن عزاء صغير لهزائمنا الكبيرة.
وفي المقابل، حين يقف أمامهم منتخب يمثل أمما ارتبط اسمها في وعينا بالاحتلال، أو الهيمنة، أو صناعة الحروب، فإن المباراة تفقد حدودها الرياضية، وتتحول في شعورنا إلى فصل آخر من رواية لم تنته.
فاللاعب الذي يرتدي ذلك القميص لا يتحمل وزر التاريخ، ولون بشرته لا يصنع ظالما ولا يصنع مظلوما.
غير أن الذاكرة لا ترى الألوان، بل ترى الرايات التي عبرت بها الجيوش، والسفن التي حملت المستعمرين، والطائرات التي أمطرت المدن بالنار، والقرارات التي رسمت بها الخرائط فوق أجساد الناس.
هم يرون المباراة تسعين دقيقة.
ونحن نراها قرونا.
ستظل مدرجاتنا تحمل أكثر من الهتاف، وستظل أعلامنا تبحث عن كل مظلوم، لا لأنه يشبهنا في الملامح، بل لأنه يشبهنا في الألملهذا يحزن العربي لخروج منتخب إفريقي، أو آسيوي، أو لاتيني، كما لو أنه فقد قريبا.
ويفرح حين ينتصر لأنه يشعر، ولو للحظة، أن التاريخ تعثر، وأن ميزان القوة اختل، وأن المستضعف استطاع أن يرفع رأسه في وجه من اعتادوا الانتصار.
قد يصفون ذلك بالعاطفة.
وقد يسمونه عقدة تاريخية.
لكنهم ينسون أن الأمم التي لم تلتئم جراحها لا تستطيع أن تنسى بسهولة، وأن من عاش طويلا تحت ظلال البنادق لا يتعامل مع الأعلام كما يتعامل معها من لم يسمع صوت الرصاص.
وربما يأتي يوم تصبح فيه كرة القدم ساحة للتنافس الرياضي وحده.
يوم تتحرر الأرض، ويعود الحق إلى أصحابه، وتصبح العدالة عادة لا استثناء.
حتى ذلك اليوم، ستظل مدرجاتنا تحمل أكثر من الهتاف، وستظل أعلامنا تبحث عن كل مظلوم، لا لأنه يشبهنا في الملامح، بل لأنه يشبهنا في الألم.
فالذاكرة، بخلاف البطولات، لا تسلم كأسها لأحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك