الخرطوم- بعد إعلان شبكة أطباء السودان عن وفاة أكثر من 215 مدنيا محتجزا بسجن دقريس في مدينة نيالا الخاضع لسيطرة قوات الدعم السريع في ولاية جنوب دارفور غرب السودان، خلال أقل من شهرين، تكشف لغز آخر باختفاء 31 معتقلا، بينهم أطفال قُصَّر، نُقلوا إلى مستشفى نيالا قبل أكثر من أسبوعين، رغم أن حالتهم الصحية لم تكن تستدعي ذلك.
وبيّنت الشبكة أن الوفيات نتجت عن" تفشي الأمراض والأوبئة وتعرّض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة، في ظل ظروف احتجاز تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية والإنسانية".
وفي 24 يونيو/حزيران 2026، كشفت شبكة أطباء السودان (غير حكومية)، في بيان لها، أن الـ31 معتقلا نُقلوا إلى المستشفى" دون أي أمراض تذكر".
ومنذ ذلك الحين، انقطعت أخبارهم.
ولا أحد يعرف إن كانوا لا يزالون على قيد الحياة أم لا، أو خضعوا لعمليات، أو نُقلوا إلى مكان آخر.
وتزامن ذلك مع تردد أنباء عن" ممارسة قوات الدعم السريع لعمليات سحب دم من المعتقلين لإنقاذ جرحى العمليات، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني".
وحتى لحظة نشر هذا التقرير، لم تعلن أي جهة رسمية عن مصير الـ31 معتقلا، وسط" صمت مطبق من الدعم السريع والمنظمات الحقوقية المعنية بوضع حقوق الإنسان في البلاد".
وأشارت شبكة أطباء السودان في بيانها إلى أن مصيرهم لا يزال مجهولاً وسط مخاوف متزايدة على حياتهم وسلامتهم، خاصة مع تردد أنباء عن ممارسات غير إنسانية بحقهم.
ولا تقتصر الانتهاكات على سجن دقريس في نيالا، بل تمتد إلى مدينة الفاشر.
وفي تصريحات حصرية للجزيرة نت، كشف الدكتور نور الدين رحمة، نائب رئيس المقاومة الشعبية بشمال دارفور، عن حجم الكارثة التي تشهدها سجون المدينتين، قائلا: " هناك 5 سجون في الفاشر تديرها الدعم السريع، من بينها سجن شالا الذي يضم نحو 1000 معتقل".
وأضاف رحمة: " هناك وفيات يومية تتراوح بين 6 إلى 7 يوميا في هذه السجون"، مشيراً إلى أن" سجن شالا وحده شهد وفاة أكثر من 300 معتقل خلال الشهرين الماضيين نتيجة تدهور الأوضاع الصحية".
وأكد أن" سجن دقريس ما زال يشهد انتهاكات واسعة ضد المعتقلين، تشمل التعذيب والحرمان من العلاج والغذاء"، مؤكدا أن" الكارثة الإنسانية في سجون الدعم السريع تتجاوز كل الحدود، وتتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي".
وتابع رحمة: " هناك نهب للأعضاء البشرية في دقريس"، وقال إن هذه القوات" صنفت الناس على أساس إثني، وإن السجن ليس به أي قانون".
وكانت الحكومة السودانية قد اتهمت في مذكرة موجهة إلى مجلس الأمن، صادرة بتاريخ 13 يونيو/حزيران 2026، الدعم السريع" بإدارة شبكة منظمة للاتجار بالأعضاء البشرية وتعذيب واحتجاز أكثر من 21 ألف معتقل في سجني دقريس وشالا".
ووفقاً للمذكرة التي نقلتها وكالة السودان للأنباء (سونا)، فإن هذه القوات تحتجز نحو 19 ألفا و800 شخص في سجن دقريس وحده، بينهم 3795 من أفراد القوات المسلحة، و5000 مدني من الفاشر، و4270 من رجال الشرطة، و5434 مدنيا من مختلف المهن، و690 امرأة.
وسبق أن نفى مسؤول في المكتب الإعلامي للدعم السريع الاتهامات التي وردت في مذكرة الحكومة إلى الأمم المتحدة، مؤكدا أنها" مختلقة من قبل استخبارات الجيش وفلول النظام السابق وتستهدف تشويه سمعة القوات وتدمير صورتها".
وكشف المسؤول -الذي طلب عدم الإفصاح عن هويته في تصريحات للجزيرة نت- أن قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) كلف في ديسمبر/كانون الأول الماضي لجنة برئاسة وكيل نيابة، أحمد النور الحلا، لمراجعة أوضاع جميع المعتقلين في السجون ومراكز الاحتجاز التابعة لقواته.
من جانبه، قال الناشط السياسي عبد القادر يحيى الذي نزح من الفاشر قبل عام، للجزيرة نت: " لدينا شهادات متطابقة من ناجين ومفرج عنهم.
الجميع يتحدث عن تعذيب وحشي، وحرمان من الطعام والعلاج.
يقولون إن المحتجزين يحصلون على وجبة واحدة يوميا، وإن المياه ملوثة، وإن الأمراض تتفشى دون أي تدخل طبي".
وأضاف: " ما يحدث في سجون الدعم السريع ليس مجرد إهمال، بل هو قتل بطيء.
هناك من يموت بسبب الجوع، وآخر جراء التعذيب، وهناك من يختفي دون أن يعرف أحد مصيره".
وتؤكد شهادات الناجين أن" التعذيب ليس مجرد وسيلة لانتزاع المعلومات، بل أصبح أداة للترهيب الجماعي".
وفي هذا السياق، يرى الدكتور عبد الناصر سالم، الخبير في قضايا الأمن وإدارة الأزمات ومدير برنامج شرق أفريقيا في مركز فوكس للأبحاث، أن ما يحدث في سجون الدعم السريع يتجاوز بكثير حدود الانتهاكات الفردية.
وأكد أن" الحروب الأهلية الحديثة لم تعد تعتمد على المواجهات العسكرية المباشرة وحدها، وإنما أصبحت السيطرة على السكان المدنيين جزءاً أساسياً من إستراتيجية الصراع.
فالسيطرة على الأرض لا تتحقق فقط باحتلال المدن، وإنما بإخضاع المجتمعات المحلية، ونشر الخوف، وكسر إرادة السكان".
وأضاف للجزيرة نت: " ما نشهده في سجن دقريس من اعتقالات تعسفية، وتعذيب منهجي، وحرمان متعمد من العلاج، واختفاء قسري، ليس مجرد انتهاكات فردية، بل يشير إلى نمط من الانتهاكات الجسيمة التي قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية".
وشدد على أن" غياب الرقابة المستقلة وإغلاق هذه المعتقلات أمام الإعلام والمنظمات الإنسانية يجعل التحقق من هذه الانتهاكات أمراً بالغ الصعوبة، ويمنح الجناة فرصة للإفلات من العقاب".
وتطالب شبكة أطباء السودان بالوقف الفوري للاحتجاز القسري، والسماح للجهات الإنسانية والطبية بالوصول إلى أماكن الاحتجاز، والكشف عن مصير جميع المعتقلين، خاصة الذين نُقلوا في ظروف غامضة.
كما تدعو المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية إلى التحرك العاجل للضغط على قيادات الدعم السريع من أجل حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وسعت الجزيرة نت للحصول على تعليق من الدعم السريع حول مصير الـ31 معتقلا الذين نُقلوا إلى مستشفى نيالا، وللرد على اتهامات سحب الدم منهم، والانتهاكات في سجون الفاشر، إلا أنها لم تتلق رداً حتى لحظة نشر التقرير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك