في أكتوبر 2025 توفي والد مراد جميل النتشة، وهو تاجر من مدينة الخليل.
وقعت الوفاة فجأة منتصف الليل.
وقد أرادت العائلة مواراته الثرى في مدفنها بمقبرة الرأس بحارة الجعبري، لكن سلطات الاحتلال رفضت التصريح بالدفن في اليوم نفسه بحجة نشاط المستوطنين في المنطقة.
يقول النتشة للجزيرة نت طلبنا أن يسمحوا بدفنه ولو بحضور عدد قليل من الأشخاص لكنهم رفضوا تمامًا.
" بعد فشل محاولات التنسيق قررت العائلة دفن والدها دون إذن.
عند وصولهم إلى المقبرة اقترب ستة جنود من قوات الاحتلال فيما حلقت طائرتا استطلاع فوق المشيعين.
دفناه خلال دقائق خشية المواجهة ولم نتمكن حتى من الدعاء بعد إغلاق القبر.
كانت أسرع جنازة رأيتها في حياتي".
ولكن هذه القصة ليست استثناء ففي الضفة الغربية تحولت جنائز الفلسطينيين في مدن وقرى عديدة إلى إجراءات أمنية خاضعة للتصاريح والوقت والعدد، وتدار تحت المراقبة العسكرية، وهو ما يفرغ لحظة الوداع من معناها الإنساني والديني.
في هذا التحقيق الاستقصائي الذي استغرق العمل عليه عدة أشهر توثق الجزيرة نت كيف تمنع إسرائيل الفلسطينيين من دفن موتاهم بكرامة في الضفة الغربية اعتمادًا على شهادات مباشرة لعشرات من ذوي المتوفين.
لم تُفرض القيود على دفن الموتى في الضفة الغربية دفعة واحدة، بل تشكّلت تدريجيًّا على مدار أكثر من عقدين، وتوسّعت مع تغيّر الجغرافيا السياسية والأمنية، حتى تحوّلت اليوم إلى منظومة متكاملة تتحكم في كيف ومتى وأين يُدفن الفلسطينيون.
تعود أقدم هذه القيود إلى السنوات التي أعقبت بدء بناء جدار الفصل العنصري حول القدس الشرقية ومحيطها.
مع اكتمال الجدار، فُصلت بلدات فلسطينية كاملة عن مقابرها التاريخية، ووجد السكان أنفسهم أمام واقع جديد: المقبرة لم تعد امتدادًا طبيعيًّا للبلدة أو للقرية، بل أصبحت موقعًا معزولًا خلف جدار وحاجز عسكري.
وفي بلدة السواحرة، التي قسمها الجدار فعليًّا إلى شطرين (شرقية وغربية)، أصبح المرور إلى مقبرة جبل المكبر في السواحرة الغربية مشروطا بالتنسيق المسبق، وبعدد محدود من المشيعين، يمرون عبر حاجز الشيّاح العسكري الإسرائيلي، المعروف محليًّا بـ" حاجز المثوى الأخير".
يخضع المشيعون من السواحرة الشرقية والشيخ سعد لتفتيش مشدد وإهانات متكررة، ومنذ تلك المرحلة فقدت الجنائز طابعها الجماعي، وتحولت إلى حدث مقيد بالوقت والعدد، مما دفع الأهالي منذ عام 2019 إلى إنشاء مقابر جديدة داخل البلدة لتجنب هذه الرحلة القاسية، رغم تمسكهم بحقهم في الدفن بمقابرهم الأصلية.
الشروط نفسها أصبحت تفرض على الدفن في مقابر قرى وبلدات بيت اكسا والنبي صموئيل، وحارة الخلايلة، لغير المقيمين فيها، حيث يتم التنسيق للحصول على موافقات للجنائز، بمعدل 5 حالات شهريا، بحسب الهيئة العامة للشؤون المدنية، وذلك منذ أن وضع الاحتلال الجدار العازل وأصبحت هذه المناطق خلف الجدار.
كذلك منذ عام 2002 تتم ذات الإجراءات المتمثلة باشتراط التنسيق في مقبرة الخطيب (الكائنة بجوار بركة السلطان) لوقوعها في المنطقة المغلقة بشكل كامل في قلب مدينة الخليل بجنوب الضفة الغربية.
مع مرور السنين، لم يعد التنسيق مجرد إذن عبور، بل تطور إلى آلية دقيقة للتحكم في كل تفاصيل الدفن.
أصبح يُطلب في بعض المقابر تحديد موقع القبر مسبقًا على الخرائط، وتحديد عدد المشيعين غالبًا بما بين عشرة وثلاثين شخصًا، وفرض وقت قصير للدفن قد لا يتجاوز ساعة واحدة.
يرافق ذلك حضور عسكري إسرائيلي مباشر داخل أو في محيط المقابر، وأحيانًا مراقبة بالطائرات المسيّرة، مع منع الحفر المسبق أو إدخال معدات في غالبية المقابر.
وأي تجاوز للشروط قد يؤدي إلى تفريق المشيعين بالقوة أو منع الدفن مطلقا.
لاحقًا، امتدت هذه القيود إلى ما بعد الدفن، لتشمل منع زيارة القبور أو حتى صيانتها! خصوصًا في المناطق المفصولة بالجدار، أو الواقعة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، مما عمّق العزل بين المدن والقرى ومقابرها، وجعل هذه المواقع عرضة للإهمال والتلف.
في جنوب الضفة الغربية، وتحديدًا في محافظة الخليل، تصاعدت القيود بشكل حاد منذ مارس/آذار 2024، وادعى الجانب الإسرائيلي أن ذلك بسب حادثة إطلاق تمت هناك، ومنذ ذلك الحين، أصبح التنسيق إلزاميًّا لدفن الموتى في المقابر الواقعة في مناطق التماس مع المستوطنات أو المصنفة بأنها مناطق مغلقة، وهي مقبرة الكرنتينا (الواقعة داخل البلدة القديمة المغلقة من قبل الاحتلال، المحاذية لشارع الشهداء)، ومقبرة السهلة (المحاذية للمناطق المغلقة وشارع السهلة، الذي يمنع الاحتلال الوصول إليه، مقابل الحسبة القديمة)، ومقبرة الرأس (في حارة الجعبري، المحاذية للشارع المؤدي لبوابة مستوطنة كريات أربع).
وتقول الهيئة العامة للشؤون المدنية -على لسان المتحدث الرسمي باسمها عماد قراقرة- إنها تقوم بالتنسيق لقرابة 100 حالة شهريا في تلك المقابر.
تشمل الإجراءات هناك تحديد مسارات الدخول والخروج، وفرض فواصل زمنية صارمة، وتدخلًا عسكريًّا مباشرًا قد يصل إلى إطلاق الغاز واحتجاز مشيعين.
كما رُصدت اعتداءات متكررة من مستوطنين على شواهد القبور، ومنع أعمال الترميم، مما دفع بعض العائلات -كما وقع في مدن وبلدات أخرى- إلى البحث عن بدائل أو إنشاء مقابر جديدة داخل أحياء أقل احتكاكًا.
مع بداية عام 2025، وصلت هذه السياسات إلى شمال الضفة الغربية، حيث فُرضت قيود مماثلة في محافظتي جنين وطولكرم، شملت مقابر داخل مخيمات اللاجئين وأخرى وفي محيطها.
رافق ذلك انتشار مكثف للجيبات العسكرية، وتحديد صارم لعدد المشيعين ووقت الدفن، مع تسجيل 34 حالة خضعت للتنسيق حتى بداية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
في بعض الحالات، أدى الرفض أو التأخير إلى اللجوء إلى مقابر بديلة خارج حدود المخيمات.
من القدس إلى رام الله، مرورًا بالخليل جنوبًا، وصولًا إلى جنين وطولكرم شمالًا، أصبحت القيود تشمل ما لا يقل عن 11 مقبرة رئيسية في الضفة الغربية، فضلا عن منع الدفن النهائي في مقبرتين متلاصقتين داخل حدود مخيم جنين.
ورغم اختلاف السياقات المحلية، فإن القاسم المشترك بينها واحد: تحويل الدفن من حق ديني وإنساني إلى إجراء أمني مشروط، يخضع لسلطة السلاح والتصريح.
رغم اختلاف المدن والسنوات، تتقاطع شهادات الفلسطينيين حول دفن موتاهم في فكرة واحدة: الوداع لم يعد لحظة إنسانية خالصة، بل تجربة قلق وخضوع تُدار بالتصاريح والحواجز والوقت المحدود.
في محيط القدس حيث بدأت القيود مبكرًا مع بناء الجدار، تبدو آثارها أكثر رسوخًا.
يروي سليم عبيدات (70 عامًا) من السواحرة الشرقية كيف اضطر عام 2017 إلى انتظار ساعات عند حاجز الشيّاح لدفن زوجته، وسط تفتيش مهين شمل التدقيق في الهويات ودرجة القرابة، قبل السماح لعدد محدود بمرافقة الجثمان إلى مقبرة جبل المكبر.
ولم يتمكن لاحقًا من زيارة القبر، إذ قال: " لم أزر قبر زوجتي منذ سنوات، وأولادي يبكون لأنهم لم يزوروا قبر أمهم".
بعد عامين عاش أشرف شقيرات تجربة مشابهة عند وفاة والدته، إذ مُنع من المشاركة في الدفن بحجة كونه أسيرًا سابقًا، ولم يُسمح إلا لعدد محدود من العائلة بالوصول إلى المقبرة.
يقول: " لم أستوعب رحيلها، ولم أستطع حتى الوقوف عند قبرها".
ومع توسع القيود إلى وسط الضفة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، انتقلت هذه التجارب إلى قرى لم تعتد مثل هذا الواقع.
في قرية أم صفا شمال غرب رام الله، يروي رئيس المجلس القروي مروان صبّاح كيف رُفض التنسيق لدفن أحد المتوفين، واضطر الأهالي إلى حمل الجنازة مسافة طويلة عبر سواتر ترابية، قبل أن تُفتح البوابة العسكرية دقيقتين فقط ثم تُغلق مجددًا.
وفي الخليل، حيث تتشابك المقابر مع المستوطنات والحواجز، تبلغ القيود ذروتها.
يروي صدقي الأطرش (40 عامًا) كيف انتظر ساعات في أبريل/نيسان الماضي لتنسيق دفن والده، قبل السماح لهم بالدخول تحت مراقبة مشددة من الجنود وتقييد الحركة داخل المقبرة.
ويصف حفّار القبور جواد أبو تركي (54 عامًا) تدخل الجنود أثناء الحفر وإنكارهم وجود تنسيق، وصولًا إلى منع الدفن بالقوة ونقل الجثمان إلى مقبرة بديلة في إحدى الحالات.
ويروي الشيخ عامر الخطيب التميمي أن عائلته انتظرت 5 ساعات والجثمان داخل السيارة قبل السماح بالدفن، مع تقييد العدد بعشرة أشخاص وفرض ساعة واحدة فقط للحفر والدفن.
ويشير الناشط عارف جابر إلى احتجاز مشيعين وتصويرهم، وتفريق آخرين بالغاز بسبب تجاوز الوقت أو غياب التنسيق في مقابر عدة.
ومن أكثر الشهادات قسوة ما رواه الدكتور أشرف الجمل عن جنازة والدته في ديسمبر/كانون الأول 2023، حين أطلق الجنود الرصاص في الهواء وقنابل الصوت لتفريق المشيعين، ولم يبقَ سوى نحو ثلاثين شخصًا تحت تهديد السلاح.
ويؤكد سائق سيارة نقل الموتى الشيخ وجدي قفيشة (55 عامًا) أن بعض الجنائز تخضع لجدولة قسرية بساعة محددة، مما يجبر العائلات على الانتظار طويلًا أو تقليص مراسم الوداع.
في شمال الضفة يروي أحمد العامر (45 عامًا) كيف حُددت جنازة والدته في أغسطس/آب 2025 بساعة واحدة وعدد محدود من المشيعين، ومع انتهاء المهلة اقتربت الآليات العسكرية وأطلقت أبواقها، مما دفع كثيرين للمغادرة قبل إتمام الدعاء.
يقول: " شعرنا بالذل، كأننا نسرق دفن أمنا".
القاسم المشترك بين هذه الشهادات هو التأخير والتقييد والتدخل المباشر، والخوف الذي يرافق لحظة الوداع.
قصص متشابهة من مدن مختلفة، مدعومة بتوثيقات بصرية، تكشف كيف تحوّل الحزن إلى عبء أمني، وكيف أصبح الفلسطيني يودّع موتاه تحت شرط الوقت والسلاح.
في الضفة الغربية، لم يعد الدفن -لا سيما في المقابر الواقعة داخل المناطق المغلقة أو القريبة من مناطق التماس أو خلف الجدار- إجراءً دينيًّا أو عرفيًّا، بل أصبح عملية تخضع لتنسيق دقيق مع الاحتلال يبدأ قبل الجنازة نفسها.
ويُطلب من ذوي المتوفين تقديم اسم المتوفى، وتوقيت الدفن، وعدد المشيعين، وموقع الدفن، ويُضاف إلى ذلك، خصوصًا في الخليل، تحديد نقاط القبور بدقة على الخرائط الجوية، لضمان الالتزام بالشروط التي تفرضها سلطات الاحتلال، مما يحوّل الوداع إلى إجراء حسابي أكثر من كونه شعيرة إنسانية.
ولتتبّع هذا الواقع، اعتمدنا على صور الأقمار الصناعية لتحديد المقابر التي يتطلب الدفن فيها تنسيقًا رسميًّا مع الاحتلال، وتلك التي يُمنع الدفن فيها كليًّا.
كما اعتمدنا على شهادات مباشرة من حفّاري قبور وسائقي سيارات لنقل الموتى وشهود عيان، أكدوا ضرورة تقديم جميع تفاصيل التنسيق مسبقًا، بما في ذلك تحديد مواقع القبور بدقة على الخرائط، خاصة في الخليل.
وقد وثّق بعضهم حالات مُنع فيها دفن الجثامين دون تنسيق رسمي، مقابل السماح بالدفن في نقاط محددة فقط بعد انتظار ساعات طويلة.
بهذا، يتضح كيف تحوّل الدفن إلى طقس تحكمه التصاريح والخرائط والسلاح، ويجعل العائلات أمام خيارين أحلاهما مرّ: الانتظار ساعات تحت قيود مشددة، أو المجازفة بالدفن في ظروف محفوفة بالخطر.
بعد تتبّع القيود المفروضة على دفن الموتى وزيارة القبور وصيانتها، يتضح أن ما يجري في عدد من مقابر الضفة الغربية لا يمكن فهمه على أنه إجراءات أمنية متفرقة، بل هو سياسة متراكمة تنقل منطق السيطرة إلى لحظة الموت نفسها.
فالتدخل في الجنائز، والتحكم في أعداد المشيعين وتوقيت الدفن، ومنع الزيارة والصيانة، تشكّل منظومة واحدة تُفرغ طقوس الوداع من معناها وتحول الجنازة إلى مساحة خوف وترقّب.
يقول الناشط عيسى عمرو -من حي تل الرميدة في الخليل- إن الاحتلال لا يكتفي بالتحكم في حياة الفلسطينيين، بل تمتد سلطته إلى الموت، حيث يُجبر الأهالي على تحويل الحزن إلى عملية تنسيق وحسابات أمنية، مما يسلب الجنازة بعدها الإنساني ويضاعف المعاناة النفسية لذوي المتوفين.
من جانبه، يشير منجد الجعبري، مدير دائرة شؤون الأوقاف والشؤون الدينية في الخليل، إلى أن اضطرار العائلات لانتظار الموافقات يؤجل الحزن الطبيعي ويضعها تحت ضغط نفسي مضاعف، مؤكدًا أن هذه الممارسات تنتهك الكرامة الإنسانية دون تمييز بين حي وميت.
ويضيف الشيخ أحمد الرفاعي -رئيس قسم الوعظ والإرشاد في وزارة الأوقاف- أن القيود المفروضة تمثل حرمانًا من أداء شعائر دينية أساسية، مثل الصلاة على الميت وزيارة القبور والدعاء.
قانونيًا، يؤكد المتحدث باسم الهيئة العامة للشؤون المدنية عماد قراقرة أن هذه الممارسات تتعارض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف التي تضمن احترام كرامة الموتى وحقوق ذويهم، وهو ما تدعمه تقارير لمنظمات حقوقية دولية وثّقت اعتداءات على جنائز.
ويشدد المختص في القانون الدولي الإنساني الدكتور رزق شقير على أن الفلسطينيين يُعدّون «أشخاصًا محميين» بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وأن أي قيود على الدفن أو زيارة المقابر لا تستند إلى ضرورة أمنية مباشرة تُعد مخالفة صريحة للقانون الدولي، داعيًا إلى مواجهتها عبر المسارات القانونية والحقوقية.
وأفاد مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان (بيتسيلم) في تقريريه الصادرين عامي 2022 و2025 بأن قوات الاحتلال تفرض قيودًا ممنهجة على الجنائز والمقابر في الضفة الغربية، تشمل تأخير دفن الجثامين، وتحديد أعداد المشيعين، والتدخل في مراسم التشييع، ومنع العائلات من الوصول إلى قبور ذويها، خاصة في المناطق القريبة من المستوطنات أو الواقعة خلف الجدار.
واعتبر المركز أن هذه الممارسات تنتهك حرمة المقابر وحق الفلسطينيين في الحداد والدفن بكرامة.
في فلسطين لم تعد المقابر فضاءات للسكينة، بل أصبحت امتدادًا لخريطة السيطرة اليومية لا تقل حساسية عن الحواجز والطرق المغلقة، فالتحكم في الدفن والزيارة والصيانة يمس العلاقة الأعمق بين الإنسان وأرضه، حتى في لحظة الوداع الأخيرة.
ومع غياب مساءلة دولية فاعلة يستمر هذا الواقع، ويظل الفلسطيني محرومًا من حق بسيط: أن يودّع موتاه بكرامة، خارج منطق التصاريح والسلاح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك