بعد ألف يوم على السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لم تعد الصحافة الإسرائيلية تناقش الحرب بوصفها معركة مفتوحة على جبهات عدة فقط، وإنما بوصفها مرآة لفشل سياسي طويل.
وفي هذه المرآة، يظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رئيسا نجا سياسيا من الكارثة، لكنه لم ينجح في إقناع قطاعات واسعة من الإعلام والنخب الأمنية بأن أهداف الحرب التي أعلنها قد تحققت، فلا حركة المقاومة الإسلامية (حماس) انتهت، ولا المختطفون عادوا جميعا أحياء، ولا حزب الله نزع سلاحه، ولا إيران خرجت من المعادلة.
list 1 of 2كوكب محموم.
موجات الحر تنقل أزمة المناخ إلى البيوت والملاعبlist 2 of 2ملف سري مسرب.
هل اخترق الكرملين النخبة السياسية البريطانية؟وبالفعل تزامنت الذكرى الألف مع احتجاجات واسعة في إسرائيل، فقد رصد بار بيليغ في هآرتس، يوم 2 يوليو/تموز 2026، فعاليات ومسيرات في عشرات المواقع منذ الساعة 6: 29 صباحا، من القدس إلى تل أبيب وقيسارية، للمطالبة بلجنة تحقيق حكومية في إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
وقد حملت الاحتجاجات رسالة سياسية واضحة مفادها أن الذاكرة لم تُغلق، ورواية الحكومة لم تنتصر، وجرح المختطفين ما زال حاضرًا في معركة الحقيقة والمسؤولية.
في افتتاحيتها الصادرة في اليوم نفسه بعنوان" الحقيقة حول المختطفين"، عادت هآرتس إلى أصل الكارثة، ووصفت السابع من أكتوبر/تشرين الأول بأنه اليوم الذي انهارت فيه أنظمة الاستخبارات والعمليات، وتحطمت معه الرؤية السياسية التي قادها نتنياهو.
وذكّرت بأن 251 إسرائيليا وأجنبيا اختطفوا إلى قطاع غزة، قبل أن تتهم الحكومة ورئيسها بمحاولة منع لجنة تحقيق حكومية والدفع نحو لجنة سياسية قادرة على صياغة رواية تخدم الائتلاف وتبعد المسؤولية عنه.
وتتفق افتتاحية هآرتس مع ما نقله يانيف كوبوفيتش عن الرئيس السابق لقيادة الأسرى والمفقودين نيتسان ألون في مؤتمر هرتسليا، حيث قال إن بعض المختطفين الذين قتلوا في الأسر كان يمكن أن يعودوا أحياء لو اتخذت قرارات مختلفة أثناء الحرب، وإن الحرب في غزة كان يمكن إنهاؤها قبل عام على الأقل.
ولا تكمن خطورة شهادة ألون في بعدها الإنساني فقط، بل في وصفها رفض الصفقات المبكرة باسم" النصر المطلق" باعتباره سياسة داخلية لا إستراتيجية.
ويضع المعلّق عاموس هرئيل في هآرتس، هذا الجدل داخل سياق انتخابي أوسع، إذ يرى في مقاله المنشور يوم 2 يوليو/تموز 2026 أن نتنياهو بدأ حملة مكثفة" لإعادة هندسة التاريخ"، عبر ثلاثة مسارات متوازية: التنصل من مسؤوليته عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم، وتضخيم إنجازات الحرب متعددة الجبهات، وتشويه كل من يشكك في روايته.
وفي هذا الإطار، يصبح ملف المختطفين نقطة ضعف مركزية، إذ يشير هرئيل إلى أن نتنياهو تعمد لفترة طويلة طمس الفارق بين من عادوا أحياء ومن أعيدت جثامينهم، رغم أن الصفقة الأخيرة التي فرضتها الولايات المتحدة أعادت 20 مختطفًا أحياء و30 جثة.
ويمد هرئيل نقده إلى الملف الإيراني، ويتهم نتنياهو بالمبالغة في عرض الخطر النووي، حين يتحدث عن قنابل ذرية كانت" في أيدي" إيران، ويرد بأن أي جهة أمنية في إسرائيل والولايات المتحدة لا تقول إن طهران امتلكت قنابل نووية جاهزة.
ووفق المعطى الذي يورده هرئيل، راكمت إيران 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي كمية قد تكفي إذا رفعت إلى 90%، لإنتاج مواد لـ11 قنبلة، لكنها لا تعني امتلاك قنابل جاهزة أو رؤوس حربية مركبة على صواريخ.
من زاوية أخرى، تقدم آنا بارسكي في معاريف قراءة تلخص مأزق إسرائيل بعد ألف يوم في قدرة عسكرية استعادت زمام المبادرة، ونتائج سياسية بقيت أقل بكثير من الوعود.
وتقر بارسكي بأن الجيش والشاباك والموساد وسلاح الجو وجهوا ضربات واسعة لحماس وحزب الله وإيران، لكنها تضع الخلاصة الأهم، وهي أن إسرائيل انتصرت في معارك كثيرة، لكنها لم تترجم أيا من حروبها تقريبا إلى تسوية سياسية مستقرة.
في غزة، تلقت حماس ضربات قاسية، لكن سؤال الحكم بقي مفتوحا، وفي لبنان، خسر حزب الله قيادات وقدرات لكنه لم يفقد سلاحه ولا قبضته على الدولة، أما في إيران، فقد كُسر حاجز الخوف من الضربة الإسرائيلية المباشرة، لكن النظام لم يسقط، واليورانيوم المخصب بقي في يد النظام الإيراني.
ويتقاطع الكاتب بن كاسبيت في معاريف مع هذه القراءة، لكنه يرفع سقف الاتهام السياسي، فهو يرى أن نتنياهو كان يدرك استحالة" النصر المطلق" على حماس، واستحالة القضاء عليها كليا ونزع سلاح حزب الله بالكامل، لكنه استخدم الشعار لإطالة الحرب وخدمة بقائه السياسي.
ويصف بن كاسبيت نتنياهو بأنه من" جلب أسوأ الكوارث"، وقاد البلاد" بعمى إستراتيجي وغرور نرجسي" إلى الجحيم، ثم وعد بأن النهاية ستكون" نصرا شاملا".
ويضيف الكاتب أن إجراء الانتخابات في موعدها، أي في أكتوبر/تشرين الأول 2026 هو أعظم انتصارات نتنياهو، بل انتصاره الوحيد، أما في الإقليم، فيرى أن إسرائيل حولت إيران إلى قوة أكثر عزما، وأن المحور السني المتشكل بين الرياض وقطر وأنقرة يجري على حسابها، كما خسرت في عهد نتنياهو ورقتها الأهم: أمريكا.
في يديعوت أحرونوت، يذهب آفي يسسخاروف إلى غزة باعتبارها الاختبار الأكثر وضوحا لفشل الأهداف المعلنة، إذ كانت الحرب -كما يعرضها- مطالبة بإنهاء حكم حماس عسكريا وسياسيا، وبعد ألف يوم، يخلص الكاتب إلى أن الجناح العسكري للحركة نجا، وأنها بقيت الجسم الحاكم الوحيد في القطاع.
صحيح أن الأنفاق تضررت، وأن قيادات مركزية صفيت، لكن التقارير التي ينقلها يسسخاروف تشير إلى أن الحركة تعيد تسليح نفسها وترمم أنفاقها، وتستأنف إنتاج السلاح والصواريخ، وتحاول تهريب مسيَّرات من سيناء، وتواصل دفع الرواتب وتجنيد عناصر جدد.
أهمية قراءة يسسخاروف أنها لا تكتفي بسؤال القوة العسكرية، وإنما تضع الإصبع على الفراغ السياسي، فغياب بديل مدني أو عربي فلسطيني، ورفض الحكومة الإسرائيلية إشراك السلطة الفلسطينية أو أي إطار متفق عليه لإدارة غزة، منح حماس ما تحتاجه للبقاء، من سكان وضرائب وخوف مع القدرة على التنظيم.
هنا يلتقي يسسخاروف مع بارسكي وبن كاسبيت في أن الضربات العسكرية قد تُضعف الخصم، لكنها لا تصنع وحدها واقعا جديدا.
في مؤتمر هرتسليا، جاء نقد نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت من قلب المؤسسة السياسية والأمنية السابقة، إذ قال بينيت، رئيس الوزراء الأسبق ورئيس حزب" بيحاد"، إنه في أول يوم له رئيسا للحكومة اكتشف أن إسرائيل لا تملك خطة عملياتية للتعامل مع التهديد النووي الإيراني، وروى أن لقاء التسليم مع نتنياهو استغرق نحو عشرين دقيقة" لأنه لم يكن هناك شيء".
ووفقا لقوله لم تطور إسرائيل بين عام 2018 ويونيو/حزيران 2021 قدرة كافية لمواجهة احتمال اختراق إيراني نووي، مختتما بسؤال مباشر: " أين كان نتنياهو؟ ".
وفي المؤتمر نفسه، تحدث آيزنكوت، وهو رئيس الأركان السابق ورئيس حزب" ياشار" عن اتصالات جرت معه بعد شهر من اندلاع الحرب لتشكيل حكومة برئاسته، ثم خلص إلى أن واجبه السياسي بات" تحقيق النصر على الحكومة وأسوأ ائتلاف منذ تأسيس الدولة".
وتتقاطع هذه الشهادة مع قول بينيت إن حماس تتسلح، وحزب الله يعزز قوته ويهاجم الجنود ويهدد المواطنين، بينما يبقى" رأس الأخطبوط" الإيراني قائما، مما يعني أن قراءة المعارضة الأمنية لا ترى المشكلة في أن إسرائيل لم تضرب، بل في أن الضربات بقيت بلا خطة نهاية.
ووسعت سمادار بيري في يديعوت أحرونوت زاوية الفشل إلى الإقليم، وكتبت أن مجموعات عمل في 15 دولة عربية، إلى جانب الخارجية الأمريكية وإندونيسيا وماليزيا، تتابع مستقبل إسرائيل السياسي، وخلصت إلى أن إسرائيل لم تنتج خلال الألف يوم إنجازا في مكانتها أمام العالم العربي، إذ بقيت اتفاقيات السلام مع مصر منذ عام 1979 والأردن منذ عام 1994 باردة، ولم تتوسع اتفاقيات أبراهام، والسعودية شددت منذ الحرب مطالبتها بحل الدولتين.
ويتفق يسسخاروف مع هذه الخلاصة من زاوية أخرى، حين يرى أن الفشل السياسي لا يقف عند حدود غزة، إذ تحول" النصر الكامل" الذي وعد به نتنياهو إلى هزيمة سياسية، يجتمع فيها ممثلو الإدارة الأمريكية علنا مع زعيم حماس خليل الحية لمناقشة مستقبل القطاع، بينما يواصل الجناح العسكري في غزة التسلح، وتستمر حماس في السلطة.
والأسوأ -وفق قراءة يسسخاروف- هو أن حماس نجحت في جعل إسرائيل هدفا للاشمئزاز في أنحاء واسعة من العالم، بما في ذلك داخل السياسة الأمريكية، ولم تعد الانتقادات محصورة في مرشحين ديمقراطيين معادين لإسرائيل، بل وصلت أيضا إلى أوساط جمهورية تحمل إسرائيل مسؤولية حروب الشرق الأوسط الأخيرة.
وبعد ألف يوم، لا تبدو معركة نتنياهو الأساسية مع حماس وحدها، وإنما مع ذاكرة إسرائيلية ترفض إغلاق ملف 7 أكتوبر/تشرين الأول بلا تحقيق.
وتجمع الصحافة الإسرائيلية على الاعتراف بضربات عسكرية قاسية، وعلى التشكيك في القدرة على تحويلها إلى حسم سياسي، ومن غزة إلى لبنان وإيران، بقي" النصر المطلق" شعارا معلقا على حرب طويلة، بينما تتآكل الثقة في القيادة التي وعدت به.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك