هذا اليوم الذي تحيي فيه إسرائيل 1000 يوم على الحرب التي بدأت في 7 أكتوبر 2023 هو أكثر بكثير من علامة طريق تأريخية.
هذه الـ 1000 يوم تشكل نهاية فترة ما وبداية أخرى.
في أثنائها لم تتغير فقط خريطة التهديدات على إسرائيل، بل تغير معها معنى مفاهيم أساس مثل جبهة، حدود، عمق استراتيجي، جبهة داخلية، احتياط وحسم.
بدأت الحرب صباح السبت الذي اقتحم فيه آلاف مخربي حماس جدار الحدود من قطاع غزة.
تسللوا إلى عشرات البلدات والاستحكامات، قتلوا أكثر من 1200 شخص، خطفوا مئات الإسرائيليين إلى القطاع وكشفوا إخفاقاً استخبارياً وعملياتياً غير مسبوق.
على مدى ساعات طويلة، اضطرت بلدات للقتال في سبيل حياتها وحدها تقريباً، فيما كانت الدولة تجند قواتها.
ذاك اليوم، الذي وقعت فيه هجمة الإرهاب الأشد في تاريخ إسرائيل كان أيضاً هزة أرضية استراتيجية شككت بالفرضيات الأساس التي قام على أساسها مفهوم الأمن الإسرائيلي على مدى عشرات السنين.
منذ ذاك الصباح تطورت الحرب بالتدريج من حرب في قطاع غزة إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات.
في نظرة تاريخية، لا تشبه هذه الحرب أياً من حروب إسرائيل.
فحرب الاستقلال كانت حرب الوجود، حرب الأيام الستة أعادت تصميم حدود الدولة، وحرب يوم الغفران هزت مفهوم الردع.
الحرب التي استمرت منذ 7 أكتوبر 2023 غيرت مفهوم الأمن القومي.
فإسرائيل لم تعد تتصدى لتهديد موضعي، بل لمنظومة إقليمية كاملة كل ساعة فيها تؤثر على الأخرى.
لأول مرة في تاريخ الدولة، عمل الجيش الإسرائيلي بالتوازي في قطاع غزة، في لبنان، في “يهودا والسامرة”، في سوريا، في إيران، تجاه الميليشيات المؤيدة لإيران في العراق وتجاه الحوثيين في اليمن.
المسافة بين الشجاعية والحديدية وبين الشقيف ومضيق هرمز تجسد مدى اتساع مجال القتال الإسرائيلي.
عملياً، خريطة عمليات إسرائيل تشبه بقدر أكبر خريطة المسؤولية القيادة الأمريكية الإقليمية منها خريطة حروبها الكلاسيكية.
الدرس الأول هو انهيار مفهوم “الحرب القصيرة”.
على مدى عشرات السنين استند مفهوم الأمن إلى الردع، والحسم السريع ونقل القتال إلى أرض العدو.
أما الواقع الجديد فأجبر إسرائيل على خوض حرب استنزاف متعددة الساحات تتواصل سنوات، وتوسيع حجم القوات، وإقامة أطر جديدة، وتجديد مخزونات الذخيرة والاستعداد للتآكل المتواصل للقوى البشرية والاقتصاد والصناعة الأمنية.
إلى جانب ذلك، تغير معنى الحدود.
ففي الماضي، رسمت الحدود مصدر التهديد أيضاً.
أما اليوم فصواريخ تأتي من إيران، ومُسيرات من اليمن، ومقذوفات صاروخية من لبنان، وإرهاب من “يهودا والسامرة” ومن سوريا، وتهديدات سايبر من كل أرجاء العالم.
فقدت الحدود معناها الجغرافي، واحتل بدلاً منها “مجال التهديدات” – منظومة واحدة من بؤر النار، الإرهاب، الاستخبارات وتأثير النشطاء للتنسيق.
ثمة ميزة أخرى للحرب، وهي أن إسرائيل تعرضت عملياً لهجوم من عدة اتجاهات: منظومات صاروخية وصواريخ مضادة للدروع من الشمال، وإرهاب ونار من الجنوب، وصواريخ باليستية من الشرق ومُسيرات وصلت أيضاً عبر البحر الأحمر.
لأول مرة منذ إقامة الدولة، اضطر جهاز الأمن للتفكير بتعابير مغلف تهديدات واسع وليس تعابير حدود جبهات منفصلة.
كما أن منظومة الدفاع الجوي كانت مطالبة بالعمل في وقت لاحق حيال أنواع مختلفة من التهديد تأتي من مديات واتجاهات مختلفة.
سبع جبهات ليست سبعاً حقاً.
من ناحية استراتيجية، يدور الحديث عن حرب واحدة تجاه المحور الإيراني.
أما حماس، وحزب الله، والحوثيون، والميليشيات الشيعية والحرس الثوري، فقد عملوا كجزء من منظومة إقليمية واحدة تستهدف تفعيل طوق نار على إسرائيل.
ووفقاً لذلك، فإسرائيل هي الأخرى اضطرت للانتقال من تفكير محلي إلى تفكير شامل.
وثمة تطور آخر، وهو فقدان معنى المسافة.
في عصر المُسيرات، الصواريخ الباليستية والصواريخ الجوالة، لن تعد آلاف الكيلومترات عائقاً حقيقياً.
فالتهديد القادم من اليمن أو من إيران له أث كتهديد من قطاع غزة.
من هنا فإن عمق إسرائيل الاستراتيجي لم يعد يقاس بالكيلومترات بل بقدرة الكشف، التحذير، الاعتراض والهجوم لمديات بعيدة.
كما جسدت الحرب أيضاً صعود السلاح الدقيق والرخيص.
مُسيرة ثمنها ألفا دولار فقط قادرة على تفعيل منظومات ثمنها أعلى بعشرات الأضعاف بل وربما بمئات الأضعاف ثمن الإدارة المهاجمة.
هذه حرب استنزاف اقتصادية بقدر لا يقل عنها عسكرية، تستوجب تنمية وسائل دفاع أكثر نجاعة ورخصاً بما فيها منظومات الليزر.
لقد تشوش التمييز بين الجبهة والجبهة الداخلية.
هجمات السايبر والنار بعيدة المدى جعلت الجبهة الداخلية جزءاً لا يتجزأ من المعركة.
وكشفت الحرب المعنى الجديد للمناعة المدنية.
الجبهة الداخلية الإسرائيلية لم تكتف بامتصاص النار، بل باتت عنصراً فاعلاً في الجهد القومي.
ملايين المواطنين عاشوا على مدى أشهر إخلاء وصافرات إنذار وتعطيل مؤسسات تعليم وضرراً اقتصادياً، وبالتوازي واصل المواطنون تفعيل منظومات المرافق المختلفة.
آلاف المعارضين ومنظمات المجتمع المدني والسلطات المحلية أدوا أحياناً أدواراً وجدت الدولة صعوبة في أدائها.
وهكذا تبين أن المناعة القومية تعتمد في الحروب الطويلة بقدر كبير أيضاً على قدرة المجتمع المدني على الحفاظ على تواصل في أداء المهام والتضامن وقدرة الانتعاش.
بمفاهيم عديدة، أصبحت الجبهة الإسرائيلية الداخلية “ذراعاً قتالية” إضافية.
لقد دارت المعركة في ساحة الوعي أيضاً.
كل هجوم وكل تصفية وكل شريط مسجل نشرت في غضون دقائق في الشبكات الاجتماعية وأثرت على الرأي العام العالمي بقدر لا يقل عن الإنجازات في ميدان المعركة.
ففي هذه الحرب، أصبح تلغرام وإكس وتك توك، ساحات قتال أيضاً.
أحد الدروس الأعمق لـ 1000 يوم يتعلق بمسألة المخطوفين.
لأول مرة في تاريخ إسرائيل، أصبحت إعادة مئات المدنيين والجنود الذين اختطفوا إلى أرض العدو هدفاً مركزياً للحرب، رافق تقريباً كل قرار سياسي وعملياتي.
مفهوم الأمن الإسرائيلي تحدث دوماً عن الردع والإنذار والحسم.
أما هذه الحرب فقد أضافت بعداً رابعاً: واجب إعادة المخطوفين.
لقد خلقت المهمة توتراً دائماً بين الحاجة لتفعيل قوة عسكرية والرغبة في عدم تعرض حياة المخطوفين للخطر، وأثرت على وتيرة القتال وطابع العمليات وحرية عمل المستويين السياسي والعسكري.
بالتوازي، أصبح المخطوفون عنصراً مركزياً في حرب حماس النفسية، التي حاولت بواسطتهم تعميق خلافات داخلية وتفعيل ضغط على أصحاب القرار في إسرائيل.
وهكذا تبين أنه في حروب المستقبل لم يعد الرهائن ورقة مساومة تكتيكية أخرى فقط، بل وسيلة استراتيجية تستهدف إعادة تصميم سياق الحرب.
من هنا يستخلص درس آخر لعقيدة الأمن الإسرائيلية: منع الاختطاف لم يعد مهمة تكتيكية للقوات في الجبهة بل هدفاً استراتيجياً من الدرجة الأولى.
والمنع يستوجب خلط الدفاع عن الحدود، والاستخبارات، وقوات الإنقاذ، والجاهزية المدنية وتصميم قواعد اللعب التي تقلص الحافز لأعداء إسرائيل لاستخدام المخطوفين كسلاح.
لكن يبدو أن التغيير الأعمق وقع في المجتمع الإسرائيلي.
مئات آلاف رجال الاحتياط خدموا على مدى أشهر طويلة.
وبعضهم أحصى مئات أيام خدمة، ومحامون أداروا ملفات وهم في الاستحكامات، ورجال تكنولوجيا عليا شاركوا في الجلسات من داخل المجنزرات وطلاب أنهوا فصولاً دراسية وامتحنوا عبر “زووم” في زمن الخدمة العملياتية.
خدمة الاحتياط لم تعد حدثاً قصيراً، بل أصبحت عنصراً دائماً في حياة المجتمع والاقتصاد.
وفوق كل ذلك، جبت الـ 1000 يوم من الحرب من إسرائيل ثمناً بشرياً باهظاً.
ألفا شهيد وعشرات آلاف الجرحى غيروا وجه المجتمع الإسرائيلي وجعلوا عائلات وتجمعات أهلية كثيرة جداً جزءاً من المعركة.
عدد الجرحى صعب، ومقطوعو الأطراف بات من أعلى ما شهدت إسرائيل، مما يذكر بحجوم ظواهر ارتبطت بحروب طويلة سابقة مثل حرب فيتنام.
إلى جانب التحدي الأمني، يقف الآن تحد وطني طويل المدى: إعادة تأهيل جدي ونفسي لجيل المقاتلين، ومرافقة العائلات الثكلى، وإعادة دمج آلاف الجرحى في المجتمع والعمل وفي الحياة الأهلية.
وثمة ميزة خاصة أخرى، وهي غياب “يوم النصر” في الحرب.
بخلاف الوضع في حروب الماضي، لم يكن هنا أي استسلام واحد أو صورة حسم واضحة؛ فقد أديرت الحرب على موجات، فيما رافقت إنجازات عملياتية في ساحة ما اشتعالاً في ساحة أخرى.
هذا الواقع ألزم المستويين السياسي والعسكري على الانتقال من التفكير في إنهاء الحرب إلى التفكير في إدارة معركة متواصلة.
الساحة البحرية هي الأخرى وفرت درساً مهماً.
الحوثيون، منظمة محلية من اليمن، نجحوا في تشويش مسارات التجارة في البحر الأحمر وإلزام الولايات المتحدة وقوى عظمى أخرى على الدفاع عن حرية الملاحة.
وهكذا تبين أن لاعباً (ليس دولة) قادر على التأثير في الاقتصاد العالمي من خلال تهديد على عنق الزجاجة الاستراتيجية.
أحد الدروس المركزية لـ 1000 يوم، أنه لم يعد ممكناً الاعتماد على طبقة دفاع واحدة مهما كانت متطورة.
مفهوم الأمن الجديد يستوجب الدمج بين الاستخبارات، والهجوم، والدفاع متعدد الطبقات، والمناورة البرية، والسيطرة الجوية والبحرية، والتواصل اللوجستي والقدرة على إنتاج ذاتي للذخيرة.
بالتوازي، فإن التعاون بين أذرع الجو، والبحر، والبر، والاستخبارات والسايبر أصبح شرطاً ضرورياً لإدارة حرب متعددة الساحات.
إضافة إلى ذلك، تأكدت أهمية الاستقلالية الصناعية.
فالحرب الطويلة كشفت التعلق بتوريد الذخيرة، الصواريخ وقطع الغيار من الخارج، وجسدت بأن حتى الأصدقاء القريبين لا يمكنهم دوماً الاستجابة بسرعة لاحتياجات القتال.
من هنا، نفهم بأن المناعة الأمنية تعتمد أيضاً على قدرة الإنتاج الذاتي وسلاسل توريد مستقرة وصناعة أمنية قادرة على العمل على مدى سنين.
الـ 1000 يوم الأولى ليست نهاية القصة، بل بداية عقيدة أمن جديدة.
الجبهة الإسرائيلية لم تعد خط حدود بل مجالاً إقليمياً.
في هذا العصر، لا يقاس الأمن القومي فقط بقوة النار، بل أيضاً بالقدرة على الخلط بين الجيش، والاقتصادـ، والصناعة، والتكنولوجيا، والدبلوماسية والمناعة الاجتماعية في منظومة واحدة، مرنة ومتواصلة.
عقيدة الأمن الجديدة لإسرائيل لا تفحص فقط في قاعات المداولات، بل أيضاً في ميادين المعركة، وفي قواعد الاحتياط، والمصانع ومختبرات التطوير، وفي الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك