في منتصف شهر يونيو 2025.
كان الهدوء يسيطر على ديوان مركز شرطة رشيد بمحافظة البحيرة.
حركة العمل تسير بصورة اعتيادية داخل القسم.
ضابط النوبتجية يراجع دفتر الأحوال.
وأفراد القوة ينهون بعض المأموريات اليومية.
فيما كان رئيس المباحث يجلس داخل مكتبه يتابع عدداً من المحاضر التي وردت خلال الساعات الماضية.
وأمامه مباشرة.
كان يقف شاب في العقد الثالث من عمره.
متهم في واقعة خطف حقيبة يد من إحدى السيدات بمدينة رشيد.
يحاول إنكار الاتهام.
بينما كان رئيس المباحث يراجعه في أقواله ويطالع محضر التحريات.
في تلك اللحظات.
لم يكن أحد داخل القسم يتوقع أن البلاغ التالي سيقود الجميع إلى واحدة من أكثر جرائم القتل التي شغلت الرأي العام في محافظة البحيرة.
وفجأة.
قطع الهدوء رنين هاتف غرفة العمليات.
رفع الضابط سماعة الهاتف.
وجاءه صوت سريع يحمل بلاغاً عاجلاً: «فيه شخصين مصابين بطعنات نافذة بأحد شوارع مدينة رشيد.
والحالة خطيرة».
لم يتردد رئيس المباحث لحظة واحدة.
أغلق الهاتف سريعاً.
ثم نهض من مقعده قائلاً: «الكل يتحرك حالاً.
البلاغ خطير».
وخلال دقائق معدودة.
كانت سيارات الشرطة تشق طريقها نحو مكان البلاغ.
بينما جلس رئيس المباحث داخل السيارة في صمت ثقيل.
تتزاحم في ذهنه عدة احتمالات.
مشاجرة؟
تصفية حسابات؟
أم جريمة مدبرة؟ومع الوصول.
بدأت ملامح المشهد تتكشف تدريجياً.
عدد من الأهالي يقفون في حالة صدمة.
سيارة متوقفة على جانب الطريق.
وآثار دماء غزيرة على الأرض.
اقتربت القوات سريعاً.
وتبين أن أحد المصابين هو أحمد المسلماني.
أحد أشهر تجار الذهب في محافظتي البحيرة والإسكندرية.
بينما كان المصاب الثاني صديقه أحمد الديباني.
وفي الوقت الذي كانت فيه سيارات الإسعاف تنقل المصابين إلى المستشفى.
بدأ رجال المباحث في فحص مسرح الجريمة.
وبتفريغ كاميرات المراقبة الموجودة بمحيط الواقعة.
ظهرت الحقيقة الأولى.
شخص يستوقف سيارة المجني عليه.
ثم يظهر آخر بعد ثوانٍ.
ثم تبدأ طعنات متتالية.
ومحاولة يائسة من صديق المجني عليه لإنقاذه.
ثم فرار المعتدين.
ومن هنا.
تحول البلاغ من واقعة اعتداء إلى جريمة قتل مكتملة الأركان.
وفي المستشفى.
كان الأطباء يحاولون إنقاذ تاجر الذهب.
لكن الإصابات كانت بالغة.
جرح قطعي كامل بالذراع اليسرى شمل قطعاً في الأوتار والأوردة مع الاشتباه في قطع الشريان.
وجرح عميق بالرأس بلغ طوله 15 سنتيمتراً.
وإصابات متفرقة في الرقبة والأنف.
وبينما كان الفريق الطبي يحاول إنقاذه.
كانت أجهزة البحث الجنائي قد بدأت في تتبع الجناة.
وخلال ساعات.
كان الضحية قد لفظ أنفاسه الأخيرة.
فيما تمكن رجال المباحث من تحديد هوية المتهمين.
من خلال تتبع الكاميرات وخط سيرهما عقب تنفيذ الجريمة.
وتبين تورط كل من «فارس» و«سيف الدين» في ارتكاب الواقعة.
وتمكنت القوات من ضبطهما.
وتم اقتيادهما إلى ديوان المركز.
بدأ فصل جديد من القضية.
جلس المتهمان داخل غرفة المباحث.
كل منهما يحاول الحديث عن رواية مختلفة.
لكن الأدلة كانت حاضرة.
الكاميرات.
أقوال المصاب الثاني.
وتحريات المباحث.
وبمواجهتهما بالأدلة.
انهارا سريعاً.
واعترف المتهم الرئيسي أمام رئيس المباحث بأن خلافاته مع تاجر الذهب تعود إلى فترة عمله لديه داخل محل الذهب.
مؤكداً أن المجني عليه اتهمه في وقت سابق بسرقة مشغولات ذهبية وحرر ضده محضراً بالواقعة.
وهو ما تسبب -بحسب أقواله- في إنهاء عمله وتضرر سمعته بين الأهالي.
وأضاف المتهم أنه ظل يحمل بداخله شعوراً بالظلم والغضب تجاه المجني عليه.
وأن الخلافات بينهما تجددت أكثر من مرة خلال الفترة الأخيرة.
فيما أقر المتهم الثاني بأنه ساند صديقه في خلافه مع تاجر الذهب.
وأنهما توجها لمقابلة المجني عليه قبل أن تتطور الأحداث إلى مشادة انتهت بالاعتداء عليه طعناً.
وعقب تسجيل تلك الأقوال في محضر جمع الاستدلالات.
تم تحرير المحضر اللازم.
وإخطار النيابة العامة التي انتقلت إلى المستشفى لإجراء مناظرة للمجني عليه وسماع أقوال المصاب الثاني.
وصل محقق النيابة بكامل أناقته مرتدياً بدلة كحلية اللون إلى المستشفى.
وصرح بدفن الضحية عقب عرضه على الطب الشرعي لبيان أسباب الوفاة.
وعقب الانتهاء من سماع أقوال المصاب.
توجه إلى مركز الشرطة.
وصل المحقق.
هادئ الملامح.
قليل الكلام.
لكنه حاد الملاحظة.
بدأ بمراجعة أوراق القضية.
ثم استمع إلى أقوال رئيس المباحث.
الكاميرات والتحريات وأقوال المصاب.
ثم انتقل المحقق إلى استجواب المتهمين.
واجههما بالأدلة.
وباللقطات المصورة.
وبأقوال الشهود.
وكرر المتهمان أمام محقق النيابة الاعترافات ذاتها التي أدليا بها أمام رئيس المباحث.
وأقرا مجدداً بأن خلافاً قديماً نشب بين المتهم الرئيسي والمجني عليه بعدما اتهمه الأخير بسرقة مشغولات ذهبية أثناء عمله لديه.
وأن ذلك الخلاف ظل قائماً بينهما حتى يوم الواقعة.
كما كرر المتهم الثاني أقواله.
مؤكداً أنه تدخل لمساندة صديقه خلال الخلاف مع تاجر الذهب.
لتتطابق الاعترافات أمام النيابة مع ما كشفته التحريات وفيديوهات كاميرات المراقبة.
وفي المقابل.
أنكرت والدة المتهم الرئيسي أمام جهات التحقيق أي اتهام لها بالتحريض على ارتكاب الجريمة.
وأكدت أنها لا تربطها أي علاقة أو خلافات بالمجني عليه.
قائلة: «ابني كان شغال عنده في محل بيع الذهب.
واتهمه بالسرقة.
وكان عامل له محضر سرقة».
كما نفت علمها بأي مخطط للاعتداء عليه أو التسبب في مقتله.
وعقب تسجيل الاعترافات.
تم اقتياد المتهمين إلى مسرح الجريمة.
وقاما بتمثيلها.
وصل المتهمان إلى مكان الحادث وسط حراسة أمنية مشددة.
وأعادا تمثيل الجريمة كاملة.
كيف استوقفا المجني عليه.
وأين وقفا.
وكيف بدأت الطعنات.
وكيف حاولا الهرب.
كل خطوة تم تصويرها وتوثيقها.
ومع انتهاء التحقيقات.
أمرت النيابة بإحالة المتهمين إلى محكمة جنايات دمنهور.
وبدأت جلسات المحاكمة.
وعلى مدار عدة جلسات.
استمعت المحكمة إلى مرافعات الدفاع عن المتهمين.
كما استمعت إلى دفاع أسرة المجني عليه.
واطلعت على تقارير الطب الشرعي.
وفيديوهات كاميرات المراقبة.
وأقوال الشهود.
حتى جاء صباح يوم الأحد 11 يناير 2026.
اليوم الذي أُسدل فيه الستار على أول فصول القضية.
فقد قضت محكمة جنايات دمنهور «الدائرة السادسة».
بمعاقبة المتهمين بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً.
وإلزامهما بدفع مليون جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت.
لكن القضية لم تنته عند هذا الحد.
فالنيابة العامة لم ترتضِ الحكم الصادر.
ورأت أن العقوبة لا تتناسب مع جسامة الجريمة.
كما طعن المتهمان على الحكم الصادر ضدهما.
لتنتقل القضية إلى محكمة جنايات مستأنف دمنهور.
وفي صباح الأربعاء 24 يونيو 2026.
شهدت المحكمة واحدة من أكثر جلسات القضية تأثيراً.
دخل المتهمان إلى قفص الاتهام.
وفي الجهة المقابلة.
جلست زوجة تاجر الذهب الراحل.
كانت ترى فيها المتهمين منذ مقتل زوجها.
ظلت تنظر إليهما لفترة طويلة.
لم تتحدث.
لم تصرخ.
لكن عينيها لم تفارقَا القفص.
وبمجرد بدء المرافعات.
لم تتمالك نفسها.
انهارت بالبكاء.
وحاول أفراد أسرتها تهدئتها.
بينما خيم الصمت على قاعة المحكمة لثوانٍ طويلة.
وبعد الاستماع إلى مرافعات الدفاع.
أصدرت المحكمة قرارها.
بإحالة أوراق المتهمين إلى فضيلة مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي في إعدامهما.
وأثار القرار تساؤلات عديدة.
كيف تحولت العقوبة من السجن المشدد 15 عاماً إلى الإعدام؟
لكن الإجابة كانت قانونية.
فالنيابة العامة لم تكتفِ بالحكم الصادر.
وطعنت عليه مطالبة بعقوبة أشد.
ومع وجود استئناف من النيابة إلى جانب استئناف المتهمين.
أصبحت الدعوى مطروحة بالكامل أمام محكمة الدرجة الثانية.
وأصبح من حق المحكمة إعادة تقدير العقوبة وتشديدها.
وهكذا.
بدأت القصة ببلاغ عن شخصين مصابين في أحد شوارع رشيد.
ثم تحولت إلى جريمة قتل هزت محافظة البحيرة.
ومرت بتحريات.
واعترافات.
وتمثيل للجريمة.
وتحقيقات استمرت شهوراً.
وانتهت داخل قاعة المحكمة بقرار إحالة أوراق المتهمين إلى المفتي.
رحل أحمد المسلماني.
لكن صورته ما زالت حاضرة في ذاكرة أسرته وأصدقائه.
وبقيت زوجته تحمل ذكرى آخر وداع.
وآخر مكالمة.
وأسرة كاملة تنتظر كلمة العدالة الأخيرة.
على أمل أن يغلق الحكم النهائي جرحاً لم يلتئم منذ ذلك المساء الدامي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك