أثار إعلان سلطنة عمان فتح ممر بحري موقت داخل مياهها الإقليمية في مضيق هرمز، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية (IMO)، نقاشاً حول مستقبل إدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وسط تباين بين مسقط وطهران في شأن آلية تنظيم الملاحة بعد الحرب الأخيرة.
ويأتي ذلك في وقت لا يزال مسار الفصل الملاحي التقليدي خارج الخدمة بسبب الألغام البحرية التي خلفتها الحرب، مما دفع المنظمة البحرية الدولية إلى طرح مسارات موقتة لعبور السفن.
ورفض الحرس الثوري الإيراني الإحداثيات الخاصة بالممرات الموقتة التي أعلنتها المنظمة، مؤكداً أن المسار الآمن هو ما تحدده السلطات الإيرانية، فيما شددت سلطنة عمان على أن الممر الجديد يقع بالكامل داخل مياهها الإقليمية، وأن العبور عبره سيكون مجانياً ووفق قواعد القانون الدولي، بما يضمن استمرار انسيابية حركة التجارة العالمية.
وفي ظل هذا التباين، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت المبادرة العمانية تمثل بداية تحول في إدارة أمن مضيق هرمز، عبر نموذج يقوم على التعاون الإقليمي والالتزام بالقانون الدولي، ويحد من احتكار إدارة هذا الملف من قبل أي طرف.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية محمد العريمي، في ملف صوتي مع" اندبندنت عربية"، أن المبادرة العمانية تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الفني للملاحة، وتعكس تحولاً أوسع في مفهوم النفوذ وإدارة الممرات البحرية.
هرمز.
من ممر بحري إلى مفتاح جيوسياسيقال رئيس جمعية الصحافيين العمانيين إن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر تعبر من خلاله ناقلات النفط والسفن التجارية، بل تحول إلى أحد أهم مفاتيح الجغرافيا السياسية في العالم، نظراً إلى تقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية عنده، وارتباطه المباشر بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وأضاف أن هذه المكانة جعلت المضيق، على مدى عقود، أحد أبرز عناصر النفوذ الإيراني، إذ استندت طهران إلى موقعها الجغرافي على ضفته الشمالية وإمكاناتها العسكرية لترسيخ حضورها باعتبارها طرفاً رئيساً في معادلة أمن الملاحة.
وأوضح أن التطورات الأخيرة، وفي مقدمها إعلان سلطنة عمان بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية إتاحة ممر عبور موقت داخل مياهها الإقليمية، تعكس بداية مرحلة جديدة تتحرك فيها مسقط انطلاقاً من مسؤوليتها تجاه أمن المضيق، وبما يتوافق مع التزاماتها بالقانون الدولي وقانون البحار، ويضمن حرية الملاحة دون فرض رسوم على العبور.
وأشار إلى أن المنطقة تشهد انتقالاً تدريجاً في مفهوم النفوذ، إذ لم يعد قائماً على أدوات الضغط والردع العسكري وحدها، وإنما بات يرتكز أيضاً على إدارة الممرات البحرية بكفاءة وتعزيز الثقة الدولية، وتأمين حركة التجارة العالمية.
الممر العماني.
مشروع استراتيجيورأى العريمي أن الخطوة العمانية لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تعديل فني لمسارات الملاحة، وإنما تمثل مشروعاً يحمل أبعاداً استراتيجية تعكس رؤية بعيدة المدى لدور سلطنة عمان في أمن المنطقة.
وأضاف أن مسقط، التي عُرفت بسياسة خارجية متوازنة وعلاقات إيجابية مع مختلف الأطراف، تسعى إلى توظيف هذا الرصيد السياسي في تخفيف التوترات المرتبطة بالمضيق، انطلاقاً من إدراكها لحجم الأخطار التي قد تنجم عن تعطيل أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.
واعتبر أن وصف المبادرة العمانية بأنها" تسحب البساط" من تحت إيران يمثل قراءة مبسطة لا تعكس طبيعة المشهد، موضحاً أن الجغرافيا لن تتغير، وستبقى إيران دولة مشاطئة للمضيق، وستظل قدراتها العسكرية جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي.
وأضاف أن ما يتغير هو مفهوم النفوذ ذاته، إذ أصبح يُقاس بقدرة الدول على إدارة الممرات البحرية، وضمان انسيابية التجارة العالمية، وتوفير الخدمات اللوجيستية، إلى جانب أدوات القوة التقليدية.
وأشار إلى أن إيران بنت خلال العقود الماضية جزءاً مهماً من ثقلها السياسي على حقيقة أن أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، وهو ما منحها ورقة ضغط مهمة في تعاملها مع القوى الكبرى، إلا أن المجتمع الدولي ودول الخليج العربي باتوا يدركون أن أمن الملاحة ينبغي أن يقوم على التعاون الإقليمي والتقنيات الحديثة والقانون الدولي، بعيداً من معادلات التصعيد، مؤكداً أن المبادرة العمانية لا تستهدف عزل إيران، وإنما إنهاء فكرة احتكار إدارة هذا الملف من قبل أي طرف.
بين رسوم العبور ورسوم الخدماتوأوضح العريمي أن من المهم التمييز بين فرض رسوم على عبور السفن في المضيق، وبين استيفاء رسوم مقابل خدمات بحرية ولوجيستية تقدمها الدول المشاطئة للسفن العابرة.
وأكد أن السياسة العمانية، المستندة إلى احترام القانون الدولي وحرية الملاحة، تجعل فرض رسوم على مجرد العبور أمراً غير وارد، لأنه يتعارض مع التزامات السلطنة الدولية، لكنه أشار في المقابل إلى أن من الطبيعي أن تتحمل السفن المستفيدة كلفة الخدمات الملاحية والفنية التي تقدم لها.
وأضاف أن هذا النموذج معمول به في عدد من الممرات البحرية الدولية، مثل مضيق ملقا، إذ لا تفرض رسوم على المرور ذاته، وإنما تستوفى رسوم مقابل خدمات الإرشاد البحري، والقطر، والسلامة، وإدارة الحركة الملاحية.
وبين أن أي آلية قد تُعتمد مستقبلاً، بالتنسيق مع إيران ودول مجلس التعاون الخليجي، ينبغي أن تفهم باعتبارها مقابلاً لخدمات حقيقية تقدمها سلطنة عمان، وليست رسوماً على حق العبور، وهو ما يوفر تمويلاً مستداماً لتطوير البنية البحرية وتحديث أنظمة الملاحة، وتعزيز أمن الملاحة واستمرارية التجارة الدولية.
مرحلة جديدة في أمن الخليجوختم العريمي بأن هذه التطورات لا تبدو مرشحة لإحداث توتر بين مسقط وطهران، نظراً إلى طبيعة العلاقة البراغماتية التي جمعت البلدين لعقود، مؤكداً أن تطوير سلطنة عمان لبنيتها البحرية يندرج ضمن حقوقها السيادية ويستند إلى مصالحها الوطنية، مع الحفاظ على سياسة حسن الجوار والانفتاح.
ورأى أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها معياراً للنفوذ، وإنما أصبحت القدرة على إدارة الممرات البحرية، وتأمين التجارة العالمية، وتقديم الخدمات اللوجيستية المتقدمة، عنصراً أساساً في موازين القوة، معتبراً أن نجاح هذا النموذج من شأنه أن يعزز الاستقرار الإقليمي، ويسهم في ترسيخ أمن الملاحة الدولية، ويحول الخليج إلى مركز عالمي للتجارة والاقتصاد والخدمات اللوجيستية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك