فيما تتواصل الاستعدادات في العاصمة الإيرانية طهران لمراسم تشييع المرشدالإيراني السابق علي خامنئي لا تزال جهود الواسطة الإقليمية تتسارع من أجل تثبيت اتفاق الهدنة الامريكية الإيرانية.
اذ تفتح العاصمة القطرية الدوحة اليوم أبوابها لجولة جديدة من المحادثات الفنية غير المباشرة بين واشنطن وطهران، في وقت تبدو فيه العلاقة بين الطرفين وكأنها تسير على حبل مشدود حيث تتأرجح بين" مذكرة تفاهم" هشة لإنهاء الحرب، وبين تهديدات متبادلة لا تزال تلقي بظلالها على استقرار المنطقة.
تأتي المحادثات الحالية تحت وقع صخب داخلي أمريكي لا يقل تعقيدا عن الملف الإيراني نفسه.
ففي واشنطن، يجد الرئيس ترامب نفسه أمام معضلة مزدوجة: فمن جهة، يضغط المستشارون العسكريون نحو خيارات" حسم المهمة" بالضربات الشاملة، ومن جهة أخرى، يغرق البيت الأبيض في خلافات حادة مع الكونغرس حول ميزانيات يُراد توجيهها من" الاستعداد الحربي" إلى" مشاريع إنشائية" يراها الديمقراطيون عبثية، بينما يعرقل الجمهوريون تمويل المجهود الحربي احتجاجا على سياسات إعادة تموضع القوات في أوروبا.
هذا الانقسام في واشنطن يمنح طهران مساحة مناورة أكبر، حيث تصر الأخيرة على فصل ملف صواريخها الباليستية وبرنامجها النووي عن أي تفاوض، مركزة في الدوحة على استعادة أصولها المجمدة، وهو ما يجعل من مفاوضات الدوحة أقرب إلى" إدارة للأزمة" منها إلى" حل نهائي".
ان نجاح هذه الجولة يتوقف على قدرة الوسطاء -قطر وباكستان- على تحويل" مذكرة التفاهم" من ورقة حبر على ورق إلى مسارٍ عملي.
فترامب، الذي أبدى مرونة تجاه تمديد الموعد النهائي 18 اوت يراهن على أن الوقت الكافي قد يفكك عقدة البرنامج النووي دون الحاجة إلى معارك شاملة تستنزف ما تبقى من ترسانة الذخيرة الأمريكية.
في المقابل، تدرك طهران أن خيار التصعيد قد يكلفها الكثير، لكنها في الوقت ذاته، تفرض واقعا جديدا في مضيق هرمز، محاولة تحويله إلى ورقة ضغط اقتصادية دولية، مستلهمة تجارب تاريخية في إدارة الممرات المائية.
ولعل السؤال المطروح اليوم هو هل يصمد" خط الأزمات"؟
إن تفعيل" خط الاتصال المخصص للأزمات" بين الحرس الثوري والقيادة المركزية الأمريكية يعد المؤشر الأكثر أهمية، فهو اعتراف ضمني بأن الجانبين -رغم خطاب التصعيد- يخشون" الصدام العرضي" الذي قد يجر المنطقة إلى حرب غير محسوبة العواقب.
وفي خضم ذلك تبدو المنطقة اليوم أمام اختبار حقيقي: هل ستنتصر" الواقعية السياسية" التي تفرض البحث عن مسارات دبلوماسية، أم ستسقط التسويات سريعا؟ الإجابة لن تكون في أروقة الدوحة فحسب، بل في مدى قدرة إدارة ترامب على حل أزماتها الداخلية، وقدرة طهران على التوفيق بين سياستها" الخارج التفاوض" والحاجة الماسة للاقتصاد المنهك لفك تجميد أصوله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك