رسم تقرير حديث صادر عن البنك الدولي صورة متباينة لواقع القطاع الفلاحي بالمغرب؛ إذ أبرز أنه في الوقت الذي تسببت فيه سنوات الجفاف المتتالية في تراجع إنتاج الحبوب وارتفاع واردات القمح، تمكنت المملكة من تحقيق نجاح لافت في صادرات الخضر والفواكه والمنتجات البحرية، معززة مكانتها كأحد أبرز الفاعلين الزراعيين والغذائيين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وأوضح التقرير ذاته، المعنون بـ “بناء الأمن الغذائي وخلق فرص العمل: مسارات السياسات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان”، أن التغيرات المناخية أصبحت تمثل التحدي الأكبر أمام الفلاحة المغربية، غير أن السياسات العمومية والاستثمارات في سلاسل القيمة الغذائية مكنت البلاد من الحفاظ على دينامية القطاع وخلق فرص شغل جديدة.
وأشار التقرير إلى أن الأراضي السقوية، رغم أنها لا تمثل سوى 20 في المائة من إجمالي المساحات المزروعة بالمغرب، تنتج أكثر من نصف القيمة المضافة للقطاع الفلاحي، لترتفع مساهمتها إلى نحو 75 في المائة خلال سنوات الجفاف، وهو ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للاستثمار في الري في ظل التغيرات المناخية.
وسجل البنك الدولي أن موجات الجفاف المتواصلة بين سنتي 2016 و2023 خلفت آثارا مباشرة على الإنتاج الزراعي، حيث انخفضت غلة الحبوب بنسبة 40 في المائة، بينما تراجعت المساحات المزروعة بنحو 44 في المائة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع واردات القمح بحوالي 30 في المائة لتغطية حاجيات السوق الوطنية.
وفي المقابل، أبرز المصدر نفسه أن المغرب يخصص نحو ربع إنفاقه الزراعي لدعم المنتجين، من خلال برامج تشمل دعم البذور الخاصة بالمحاصيل الاستراتيجية، والمساهمة في تمويل معدات التصنيع الزراعي، إضافة إلى دعم صادرات المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، وعلى رأسها الحمضيات.
وأشاد التقرير المذكور بالأداء الذي حققه المغرب في مجال صادرات الخضر والفواكه والزيتون، معتبرا المملكة من بين أبرز النماذج الناجحة في المنطقة بفضل علاقاتها التجارية المتينة مع الاتحاد الأوروبي والإصلاحات الهيكلية التي عرفها القطاع.
وأوضح أن الصادرات الزراعية أصبحت تمثل نحو 20 في المائة من إجمالي الإنتاج الزراعي المغربي، في مؤشر على تنامي اندماج الفلاحة الوطنية في الأسواق الدولية.
وفي المقابل، نبه التقرير إلى استمرار هشاشة إنتاج الحبوب المعتمد على الأمطار، مشيرا إلى أن معدل النمو السنوي لهذا الإنتاج تباطأ إلى نحو 0.
5 في المائة فقط خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2022، مقارنة بـ1.
9 في المائة خلال العقود السابقة، نتيجة توالي سنوات الجفاف وشح الموارد المائية.
وسلط البنك الدولي الضوء على المكانة الريادية التي يحتلها المغرب في قطاع الصيد البحري، معتبرا إياه أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تصدر المغرب منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بإنتاج بلغ حوالي 1.
4 مليون طن من المنتجات البحرية، أي ما يقارب ثلث الإنتاج الإقليمي الإجمالي البالغ 4.
4 ملايين طن.
كما صنف التقرير المملكة ضمن كبار مصدري المأكولات البحرية عالميا، بعدما تجاوزت عائدات صادراتها 2.
3 مليار دولار، وهو ما يجعل القطاع مصدرا رئيسيا للعملة الصعبة ورافعة أساسية للتشغيل.
وأشار التقرير أيضا إلى بروز فرص استثمارية جديدة في مجال إنتاج النباتات المائية، خاصة الطحالب، حيث تجاوز إنتاج المنطقة 43 ألف طن، يتركز أغلبه في المغرب وتونس.
وفي جانب التشغيل، اعتبر البنك الدولي أن المغرب يعد من الدول القليلة في المنطقة التي نجحت في تطوير مجمعات للصناعات الغذائية وسلاسل قيمة متكاملة، تشمل تصبير الأسماك وتعليب الزيتون والفواكه.
وأوضح أن هذه الاستثمارات ساهمت في خلق وظائف ذات إنتاجية أعلى وأجور أفضل خارج الحقول الزراعية، الأمر الذي يجعلها أكثر جاذبية للشباب والنساء مقارنة بالعمل الزراعي التقليدي.
وبحسب المصدر عينه، فإن منظومة الغذاء والزراعة بالمغرب توفر نحو وظيفة واحدة من أصل كل ثلاث وظائف في الاقتصاد الوطني، ما يعكس الدور المحوري لهذا القطاع في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وعلى مستوى السياسات العمومية، أشاد تقرير البنك الدولي بالإجراءات التي اتخذها المغرب لتعزيز الأمن الغذائي وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة من خلال تطوير نظام السجل الاجتماعي الموحد.
ووضع التقرير المغرب إلى جانب الأردن ومصر ضمن الدول الرائدة في اعتماد آليات حديثة لاستهداف الدعم الاجتماعي، بما يسمح بمواجهة تقلبات أسعار المواد الغذائية وإصلاح منظومة الدعم بشكل تدريجي دون المساس بالفئات الأكثر هشاشة.
وأشار البنك الدولي إلى أن الإنفاق العمومي على دعم المواد الغذائية عاد إلى الارتفاع بعد جائحة كورونا، ليبلغ نحو 0.
8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في إطار جهود الدولة لضمان استقرار الأسواق وحماية الأمن الغذائي للمواطنين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك