مع استمرار المنتخب المغربي في مشواره بكأس العالم 2026، تحولت متابعة المباريات الليلية إلى تحد يومي لآلاف المشجعين، الذين وجدوا أنفسهم يوازنون بين شغف كرة القدم ومتطلبات العمل والدراسة، في ظل فارق التوقيت مع الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، الدول المستضيفة للبطولة.
فبعد ساعات قليلة فقط من إقصاء المغرب لهولندا، في مباراة حبست الأنفاس على مدى 120 دقيقة قبل أن تحسم بركلات الترجيح، بدت آثار السهر واضحة صباح الثلاثاء في كل مكان؛ أكواب قهوة لا تحصى، ووجوه سعيدة، لكنها منهكة، في طريقها إلى العمل.
وبالنسبة إلى كثير من المغاربة، كانت تلك ليلة بيضاء جديدة.
وتقول فتيحة، وهي من عشاق كرة القدم في الدار البيضاء، مازحة" لم أعد أنام تقريبا منذ بداية كأس العالم"، مؤكدة أنها أقسمت ألا تفوّت أبرز مباريات البطولة.
وتضيف أنتظر دائما مباريات المغرب بفارغ الصبر، لكن بصراحة شاهدت أيضا مباريات كثيرة أخرى، لأن مستوى اللعب مذهل"، مشيرة إلى مواجهات البرازيل واليابان، وفرنسا والنرويج، وكذلك الإقصاء المفاجئ لألمانيا على يد باراغواي.
عندما يهزم عشق الكرة النومولم يتردد كثير من المشجعين في التضحية بساعات نومهم من أجل متابعة البطولة.
ويقول ياسين، وهو مشجع من سلا، إنه يواصل يومه مكتفيا بساعتين إلى أربع ساعات من النوم كل ليلة، مضيفا" كأس العالم لا تأتي كل يوم".
ويتابع" بعض المباريات تبدأ في الثانية صباحا ولا تنتهي إلا عند الرابعة، ومع ذلك يجب أن أكون في العمل عند السابعة والنصف صباح اليوم التالي".
وفي مدينة مالقة الإسبانية، تضاعفت الليالي البيضاء بالنسبة إلى ماريا وشقيقاتها، اللواتي يحرصن على متابعة مباريات المغرب وإسبانيا معا.
وتقول" هذا العام ضبطت منبهات لمشاهدة مباريات كأس العالم أكثر مما ضبطت منبهات للذهاب إلى العمل، وحتى الآن لا أشعر بأي ندم"، قبل أن تضيف مازحة أن القهوة أصبحت" أفضل صديقة" لهن، و" ربما السبب الوحيد الذي يجعلني أستطيع الصمود خلال كأس العالم هذه".
ليال بيضاء من أجل أسود الأطلسوبالنسبة إلى كثير من المشجعين، لم تكن مباراة المغرب أمام هولندا مجرد مباراة، بل كانت موعدا لا يمكن تفويته.
وتقول فتيحة إنها فضلت البقاء في المنزل لمتابعة اللقاء في أجواء هادئة والتركيز على مجريات المباراة، لكنها لم تستطع مقاومة الرغبة في الخروج للاحتفال بعد صافرة النهاية، مضيفة" انتهى بي الأمر أحتفل حتى الخامسة صباحا".
أما صباح اليوم التالي، فكان أكثر قسوة.
فبعد أن شاهد ياسين المباراة في منطقة مخصصة للمشجعين، وشارك في الاحتفالات التي أعقبت تأهل المغرب، وجد نفسه يواجه صباح الثلاثاء من دون أن ينام دقيقة واحدة، ويقول" كانت لدي أمور يجب أن أنجزها في طنجة، فتوجهت إليها مباشرة من دون نوم".
وفي إسبانيا، تؤكد ماريا أن السهر لمتابعة الفوز الدراماتيكي للمغرب بدا أقل وحدة بفضل الجالية المغربية الكبيرة في حيها، مضيفة" كانت الاحتفالات، مثل الليالي البيضاء، تحمل طابعا أكثر خصوصية لأننا كنا نعيشها جميعا معا".
ولم تقتصر الليالي البيضاء على المشجعين، بل شملت أيضا الصحافيين.
وتصف سميرة، مراسلة قناة هولندية في المغرب، يوم مباراة هولندا بأنه الأطول في مسيرتها، إذ بدأ عملها عند السابعة والنصف صباح الاثنين ولم ينته إلا بعد ظهر الثلاثاء، بعدما غطت أجواء ما قبل المباراة وما بعدها، ثم الاحتفالات في الناظور.
وتقول" لم يكن مطروحا أبداً أن أفوّت هذه المباراة»، مضيفة: «كنت مستيقظة لأكثر من 24 ساعة.
كان هناك عمل هائل حول مباراة هولندا والمغرب".
الكلفة الخفية لليالي البيضاءومع استمرار المغرب في المنافسة، قد يعيش كثير من المشجعين مزيدا من الليالي القصيرة.
غير أن النوم، بحسب الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، ليس أمرا يمكن للجسم الاستغناء عنه، لأنه" حاجة بيولوجية أساسية تتيح للجسم والدماغ معا أن يستعيدا عافيتهما".
ويضيف" السهر من أجل مباراة ستكون له آثار، لكن تكرار ذلك طوال البطولة أمر مختلف تماما".
ويوضح حمضي أن قلة النوم تؤثر سريعا في التركيز والإنتاجية وسرعة رد الفعل، ما يزيد خطر ارتكاب الأخطاء في العمل أو المدرسة أو أثناء القيادة، كما تنعكس على المزاج، فتجعل الأشخاص أكثر عصبية وتعبا وأقل حماسا.
ويتابع" كلما طال الحرمان من النوم، ازدادت آثاره.
وهذا ما يعرف بدين النوم؛ إذ يراكم الجسم عجزا ينتهي بالتأثير في جهاز المناعة والقدرة على الحكم واتخاذ القرار".
وينصح حمضي من يختار السهر لمتابعة المباريات بالحصول على قيلولة قصيرة في اليوم التالي تتراوح بين 20 و30 دقيقة لاستعادة النشاط، مع تجنب الإفراط في الكافيين، خصوصا مشروبات الطاقة، والابتعاد عن الوجبات الثقيلة في وقت متأخر من الليل.
كما يوصي بالتوجه إلى النوم مباشرة بعد انتهاء المباراة، بدلاً من قضاء ساعة إضافية في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي أو مناقشة المباراة عبر الإنترنت.
ويختم قائلا" إذا نمت متأخرا، فاستيقظ في موعدك المعتاد واذهب إلى النوم في وقتك المعتاد.
الحفاظ على إيقاع نوم منتظم يبقى أفضل وسيلة لحماية الساعة الطبيعية لجسمك».
ويشدد حمضي على أن الأطفال والمراهقين، وكذلك الأشخاص الذين يعانون مشكلات صحية كامنة، يجب أن يظل النوم بالنسبة إليهم أولوية، حتى في أجواء الحماس التي تصاحب كأس العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك