بعد عقود من الإهمال، استعادت مدابغ الرباط التاريخية بريقها، إثر انتهاء مشروع إعادة تأهيلها الذي حولها إلى فضاء ثقافي وسياحي يحافظ على ذاكرة واحدة من أعرق الحرف التقليدية بالمغرب.
فالموقع، الذي ظل لما يقارب قرنا يتحول تدريجيا إلى مساكن هشة ثم إلى مطرح للنفايات، عاد اليوم ليكشف جانبا مهما من تاريخ صناعة الجلود في العاصمة، بعد سنوات من الأشغال ودراسة أثرية سبقت عملية الترميم.
ويقع الموقع بحي ديور الدباغ، في الجهة الشمالية الشرقية للمدينة العتيقة، مطلا على مصب نهر أبي رقراق، ويعد شاهدا على تجذر صناعة الجلد في الرباط، إلى جانب مدينتي فاس ومراكش اللتين اشتهرتا أيضا بمدابغهما التاريخية.
وقد بلغت هذه الحرفة أوج ازدهارها خلال عهد الموحدين (1121-1269)، حين أصبحت صناعة الجلد من أبرز الأنشطة الاقتصادية والحرفية بالمغرب.
واشتهرت هذه المدن، التي شكلت مراكز روحية وسياسية وحرفية، بإتقان مختلف مراحل صناعة الجلد، من الدباغة إلى إنتاج البلاغي والحقائب والطرابيش والأحزمة والوسائد الجلدية.
واعتمد الحرفيون في ديور الدباغ على تقنيات تقليدية باستخدام الجير وفضلات الحمام والتانين لمعالجة الجلود.
وتشير منصة Rabat Sites، المتخصصة في تثمين التراث التاريخي للعاصمة، إلى أن ديور الدباغ تمثل «مكانا للذاكرة يساهم في الحفاظ على المهارات التقليدية المرتبطة بصناعة الجلد في المغرب»، مبرزة أن جودة هذه الصناعة جعلت مصطلح maroquinerie مرتبطا عالميا بالجلد المغربي الرقيق والمصبوغ والمستخدم في صناعة منتجات جلدية متنوعة.
موقع عريق رغم قلة التوثيقورغم غياب تاريخ دقيق لإنشاء مدابغ الرباط، فإن مختلف الروايات تؤكد أنها تعود إلى ما قبل القرن العشرين، وإن كانت أحدث من مدابغ فاس ومراكش التي يعود نشاطها إلى ما بين القرنين التاسع والحادي عشر.
وكشف التشخيص الأثري الذي سبق أشغال التأهيل، والمنشور سنة 2024 في مجلة Hespéris Tamuda، عن معطيات جديدة حول تاريخ الموقع.
وأكد الباحثون أحمد صالح الطاهري وأسماء القاسمي، من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، إلى جانب هشام ركيك من جامعة القاضي عياض، أن مدابغ الرباط «سابقة على بناء السور النهري وباب البحر»، أي أنها تعود إلى ما قبل سنة 1789، مع التشديد على ضرورة دراسة تاريخها في سياق التطور العمراني المعقد الذي عرفته المدينة.
كما توثق وثائق جمعها المؤرخ جان-لوي مييج، المولود بالرباط سنة 1923، واقع الصناعة التقليدية بالرباط وسلا خلال منتصف القرن التاسع عشر، حيث كانت المدابغ تعالج جلود الأبقار والأغنام والماعز، بينما ضمت المدينة نحو 150 ورشة لصناعة البلاغي، إضافة إلى ثماني ورشات كانت تنتج حوالي 400 سرج سنويا.
تراجع مع الحماية الفرنسيةشهدت المدابغ مرحلة تراجع واضحة بعد فرض الحماية الفرنسية سنة 1912، عندما أصبحت الرباط العاصمة الإدارية للمملكة، ورافق توسعها العمراني توجه نحو إبعاد الأنشطة الصناعية المسببة للتلوث والروائح القوية.
ووفق التشخيص الأثري، فقدت ديور الدباغ أكثر من نصف العاملين بها خلال سنوات قليلة، إذ تراجع عدد الدباغين، وفق التقديرات، من نحو 500 سنة 1912 إلى حوالي 300 سنة 1918ويفسر المؤرخ عبد العزيز الخمليشي، في كتابه مدينة الرباط في القرن التاسع عشر (1818-1912): جوانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية، هذا التراجع بعوامل متعددة، من بينها فترات الجفاف التي أثرت في الأنشطة الصناعية المرتبطة بالإنتاج الفلاحي، إلى جانب احتكار الأجانب للصادرات، والضرائب الثقيلة، والهبات المفروضة على النخب، وهو ما أضعف أوضاع الحرفيين رغم المكانة الاقتصادية التي كانت تحتلها صناعات النسيج والجلد بالمدينة.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المدابغ نقلت إلى ضواحي الرباط خلال ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تتحول المنشآت المهجورة تدريجيا إلى حي صفيحي، بدأ إخلاؤه سنة 2006، وظل الموقع في حالة تدهور إلى غاية انطلاق مشروع إعادة التأهيل سنة 2022، الذي استهل بعمليات التطهير والتعقيم.
ورافق المشروع تشخيص أثري اعتبره الباحثون ضروريا لفهم أفضل لورشات الدباغة المغربية وبنياتها الداخلية، وتوثيق هذا التراث لفائدة الدراسات المستقبلية.
وأوضح الباحثون أن قرار نقل المدابغ، بعد أكثر من قرنين ونصف من وجودها داخل أسوار المدينة العتيقة، أدى تدريجيا إلى ظهور أحد أكثر الفضاءات تهميشا في قلب الرباط، حيث استقطب الموقع ساكنة مهاجرة محدودة الدخل، وظل بعيدا عن مسارات الزوار وسكان المدينة.
أما اليوم، فقد وضع مشروع التأهيل، الذي انطلق سنة 2022، حدا لهذه الوضعية، مع حماية الموقع من الضغوط العقارية وإعادة إدماجه في النسيج الحضري للعاصمة.
وأصبحت مدابغ الرباط فضاء مخصصا للمعارض والتثمين السياحي، مع الحفاظ على جزء مهم من الذاكرة التاريخية لصناعة الجلد المغربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك